أحدثت الدورة الحالية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب حالةً حضاريةً مدهشةً، وجاء إقبال الزائرين، كأول ملاحظةٍ إيجابيةً، وأتى الإقبال من جراء الاهتمام الإعلامي الواسع بالمعرض، واشتعال مواقع التواصل الاجتماعي بصوره وأخباره، وصور أصحاب الصفحات ونشرها، واهتمام المثقفين المصريين، وإدارة المعرض.
فقد استهلت المعرض بوضع اسم "نجيب محفوظ" كعنوانٍ له، واستغلت جملةً غامضةً، كأنها له، أو جاءت في حوارٍ صحفيٍ له سنة 1991، كما قيل: "من يتوقف عن القراءة ساعة يتخلف قرونًا".. هي جملةٌ، لدينا في العربية أفضل منها مرات، لكنها بلا شك، ساهمت في مد الطريق إلى المعرض في التجمع الخامس.
والزحام حول الثقافة أمرٌ جيدٌ بكل المعايير، وحتى لو كان الزائرون خارج القاعات أضعاف من في داخلها، لأن الاستجابة لرحلةٍ إلى الكتاب، تحتمل الاقتناء كما تحتمل الفرجة من قريبٍ أو من بعيدٍ، وتحتمل أيضًا الاحتفال.. المعرض بعيدٌ عن نصف القاهرة القديم، وحتى النصف الجديد في الشرق، ليس قريبًا كما يتصور كثيرون، لأن الانتقال وإن تدبر فإن العودة إلى المنازل مكلفةٌ ومتعبةٌ. أعرف مثقفين، وأرى مبرراتهم ضعيفةً، قاطعوا المعرض منذ انتقاله قبل سنوات، من أرض المعارض بمدينة نصر إلى مركز مصر للمعارض في التجمع الخامس. حركة انتقال المعرض تاريخيًا معروفةٌ، وكل مرةٍ يفقد أصدقاء، من أرض المعارض بالجزيرة، إلى مدينة نصر، ثم إلى قصر المعارض الفخم بالتجمع.
ومن الملاحظات حول المعرض غياب أو ندرة جمهور الندوات، وهي سلبيةٌ، مسئول عن جزءٍ منها إدارة المعرض، التي اكتفت بدعوة المشاركين، وتكديس الندوات، وكذلك المتحدثون الذين بدوا وكأنهم ذاهبون إلى مؤتمرٍ سريٍ للغاية، وكثيرٌ منهم لم يوجه الدعوة، لأساتذته أو أصدقاءه، وتلاميذه. فبدت المنصة أكثر عددًا من جمهورها، في بعض الندوات. وربما تجاوزت وتلافت ندوات هذه السلبية، بذكاءٍ أو بالمصادفة. ولا شك أن الحضور كان معقولاً في كثيرٍ منها.
أما شراء الكتب فسوف تظهر بياناته بعد انتهاء الدورة الحالية، وهو أمرٌ متوسط الأهمية، ويمكن أن تتحكم فيه أسعار الكتب، والقدرة الشرائية، لكن التواجد في المعرض، لدور النشر، وإصداراتها، كان رائعًا، ولقاء كتاب ومثقفين في طرقاتها، وقد لا يلتقون أبدًا، يتم، ربما بشكلٍ سنويٍ، مرةً واحدةً في العام. ربما كانت الموسيقى خارج القاعات زاعقةً، لكن هذه لها جمهورها، الذي اقترب بالكاد من رائحة الكتب.
ولا أقطع بعدم القراءة لدى الأجيال الجديدة، لأن لكل جيلٍ وسائله في القراءة واكتساب المعارف، فكانت قديمًا أجيال تستمع، لتتثقف، ثم أجيال تقرأ وتحفظ، ووصلتنا الآن أجيال تعرف كل ما تريد معرفته من الشاشات، الكمبيوتر والموبايلات، ووسائل التواصل.
وأي وسائل اكتساب معرفة هي الأفضل وأيها الأخطر؟.. سؤالٌ مشروعٌ ولكن، لا أود سماع من يحتكر الإجابة.
ندوات عدة ركزت على نجيب محفوظ، وكنت متحدثًا في واحدةٍ منها، مع الأستاذين يوسف القعيد ومحمد سلماوي، حول حوارات صاحب نوبل. واستمعت إلى تدفقٍ رائعٍ من الكاتبين، وهما أستاذي، وصديقي، ووصفتهما بالندوة بأنهما من أقرب الناس إلى محفوظ، الذي تتسع دائرة القرب لتشمل عشرات الأصدقاء من المثقفين والناس العاديين.
وشكرت الظروف التي جعلتني أتحدث وأنا على المنصة في الوسط، ما بين الأذن اليسرى لنجيب محفوظ، واليد اليمنى له. وأشرح: فقد كان محفوظ يعاني من ضعف السمع في أذنه اليسرى، وفي ندوة الثلاثاء بمركب فرح بوت، كان القعيد يجلس على يساره، ويعيد بصوتٍ عالٍ ما قيل أو ما يريد أن يسمعه محفوظ. وعقب الاعتداء الآثم عليه في أكتوبر 1994 أصبحت يمنى محفوظ عاجزةً عن الكتابة فبات يملي على سلماوي مقاله الأسبوعي بالأهرام.
وقد أدار الندوة باقتدارٍ صديقي علاء عبدالهادي رئيس تحرير جريدة "أخبار الأدب" السابق. لكن لم يملِ محفوظ أبدًا إبداعًا أدبيًا، هي مقالات وتأملات وأفكار في الحياة وفي الأوضاع الراهنة آنذاك.
كانت الندوة مجالاً لتذكر فرحتنا بالتعرف والاقتراب من شخص نجيب محفوظ، قامة عصرٍ عشناه لنتذكره، وأفضنا في مزاياه وفي تواضعه، وتسامحه وحبه للناس، وإخلاصه لأدبه، كما أتينا على معاركه ونضاله الفكري والأدبي، وأصداء فوزه بنوبل.