.. حين يقول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه لم يعد في حاجة إلى القانون الدولي بل إن "أخلاقياته" هي من تحرك تصرفاته وتحكم سياساته، فإن العالم بات أمام بزوغ نمط جديد في العلاقات الدولية يشي بتحولات جذرية وتغيرات مخيفة في التعاطي مع القضايا الدولية.
ولعل مشهدية الإخضاع والرعب التي أرادت الولايات المتحدة تصديرها للعالم بعملية خطف الرئيس الفنزويلي مادورو، والسطو على ثروات النفط في هذا البلد قبل أسابيع، هي في تقديري كانت البداية الدامغة لتفكيك النظام الدولي الحالي، وإحلاله بنظام دولي جديد تسعى لفرضه أمريكا على العالم بالقوة، عبر سيطرتها على مفاصل العالم الاقتصادية، والتحكم في سياساته بعيدًا عن القانون الدولي الحالي.
هكذا بادرت أمريكا بالسعي إلى فرض نظام جديد يقوم على الهيمنة الأمريكية الكاملة؛ سواء في نصف الكرة الأرضية الغربي أو القطب الشمالي؛ عبر سعيها للسيطرة على جزيرة جرينلاند التابعة للدنمارك، أو في مناطق أخرى بالعالم، وفي القلب منها الشرق الأوسط، الذي يخضع حاليًا لعملية أمريكية جديدة بقوة السلاح قلبها إيران لإعادة رسم خريطته وهندسة توازناته لصالح نفوذ أمريكا وحليفتها إسرائيل.
وبالتوازي مع العمليات الجراحية المميتة التي تقوم بها أمريكا للإجهاز على النظام الدولي تحدث بنفس الوتيرة ارتدادات كبرى لها ذات الخطورة، بل ربما أشد قوة وضراوة على مكونات النظام الاقتصادي العالمي، التي باتت أيضًا مهددة بالانهيار والتفكك، وقد بدأت تأثيراتها وارتداداتها تطال النظام الاقتصادي الدولي، فسوق السندات السيادية في العالم لم يعد يؤدي وظيفته التقليدية كملاذ آمن، بل إن العوائد الحقيقية أصبحت سلبية، في ظل تصاعد المخاطر السياسية والمالية، كما أن القدرة في الحفاظ على استقرار طويل الأجل باتت موضع شك حقيقي في الأسواق، ما جعلها تحت سيف المضاربات والتطورات الحادة التي لا تحكمها معايير وقواعد السوق المتعارف عليها.
أمريكا اتخذت قرارها وحسمت أمرها بفرض النظام الجديد بزعم إبعاد الصين وروسيا من أي نفوذ أينما وجد في العالم، مهما كلفها الأمر، بعد أن وجدت في الزحف الصيني خطرًا يهدد مستقبلها، كما تقول، ولم يكن سلاح الرسوم الجمركية سوى أداة لوقف هذا الزحف، وصورة من صور المعركة التي تفجرت بين تلك القوى على تشكيل نظام جديد ستكون الغلبة فيه للأقوى والأوسع نفوذًا.
وفي المقابل تقوم الصين بتحركات مضادة لوقف خطر التوجه الأمريكي عبر الدخول في شراكات اقتصادية مع حلفاء أمريكا، وفي مقدمتهم الدول الأوروبية وكندا وهم من الحلفاء التقليديين الأساسيين لأمريكا؛ حيث نجحت الصين في إخراج عدد كبير منهم مثل بريطانيا وكندا وفرنسا من عباءة أمريكا في أول رد فعل عملي على عملية أمريكا لإخراج الصين من فنزويلا؛ حيث استطاعت الصين على مدار عقدين أن تصبح أكبر شريك تجاري لها، وأكبر مستورد للنفط الفنزويلي، بل ذهبت لأكثر من ذلك لتتخذ من فنزويلا بوابة لتوسيع نفوذ ومصالح الصين في دول أمريكا الجنوبية؛ حيث شقت الطرق وشيدت الجسور وأقامت البنية التحتية وضخت استثمارات طائلة؛ لتحقق من وراء هذا التعاون مصالح الصين، ويدعم تمددها في أمريكا الجنوبية؛ حيث أقامت في فنزويلا وحدها ١٤٠ مشروعًا في البنية التحتية بتكلفة ١٠٠ مليار دولار، كما أن الصين تعتمد بشكل رئيسي على المعادن النادرة ومواد الخام المتوافرة بقوة في هذه الدول في صناعاتها المختلفة، وقد دخلت مع البرازيل والأرجنتين وشيلي في اتفاقيات توفر من خلالها سلاسل إمداد قوية للصناعة والتجارة المشتركة.
وبنفس الأهمية ترتبط روسيا مع هذه الدول بعلاقات قوية حيث تتولى تسليح جيوشها ومدها بالأسلحة والسلع الأخرى. إذن حين تعلن أمريكا أن هذه الدول باتت تحت نفوذها فإن المتضرر الأول هو الصين وروسيا اللتان يرتبطان بعلاقات متشابكة ومعقدة سياسيًا واقتصاديًا، بل وحين تطلب صراحة من الإدارة الجديدة في فنزويلا قطع علاقاتها مع الصين وروسيا تحديدًا فإن حرب النفوذ والهيمنة باتت في العلن وتؤكد أن شواهد انهيار النظام الدولي والاقتصادي باتت واضحة وأدلة الحرب الخفية بين القوى الكبرى أصبحت تضرب في كل اتجاه.
المخطط الأمريكي في هدم النظام الدولي امتد لضرب المنظمات الدولية التي تقوم بأنشطة اقتصادية واجتماعية؛ حيث قررت واشنطن وقف تمويل ٦٦ منظمة دولية أغلبها تابعة للأمم المتحدة وجميعها تقوم بدور كبير في المجالات الصحية والإنسانية وحقوق الإنسان وحرمان تلك المنظمات من نحو ٤٠ % من التمويل، وهي نسبة أمريكا؛ يعني تقليص نشاطها، بل وقد يتوقف تمامًا خلال الشهور المقبلة؛ مما يشكل أزمة عالمية في العديد من الأنشطة، إذ أن منظمة الصحة العالمية تأتي في مقدمة المنظمات المستهدفة من أمريكا.
ولعل ذلك ما دفع الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش إلى إبلاغ الدول الأعضاء، قبل أيام عبر رسالة نشرتها رويترز، حذر فيها بأن المنظمة تواجه خطر "انهيار مالي وشيك"، عازيًا ذلك إلى رسوم غير مدفوعة وقاعدة في الميزانية تُلزم المنظمة العالمية بإعادة الأموال غير المنفقة. وكتب جوتيريش في رسالته المؤرخة في ٢٨ يناير إلى السفراء: "تتفاقم الأزمة، ما يهدد تنفيذ البرامج ويعرضنا لخطر الانهيار المالي. وستتدهور الأوضاع أكثر في المستقبل القريب".
.. إنه عالم جديد مفتوح على كل السيناريوهات ليس بالضرورة سينتهي لصالح أمريكا، أو ربما كذلك أو تتقاسمه الدول القوية.. لكن تبقى الحقيقة الدقيقة أن نظامًا جديدًا يولد بقوة السلاح، وآخر يتم هدمه أيضًا بقوة السلاح.. فأين نحن مما يجري؟