قبل سنوات صدرت رواية كاتب متعدد الأنشطة، ذكي العلاقات. رواية أولى متأخرة جدًّا تناسب، وتنتمي إلى، ميوله في استظهار النصوص التراثية، وتقصّي الأرشيف، وتحقيق الكتب والمخطوطات. تجرَّعت الرواية السقيمة مضطرًّا.
موضوعات مقترحة
هناك أشياء نتجرَّعها للعلاج، وأشياء أخرى اضطرارًا؛ لتطييب خاطر مؤلف يلحُّ عليَّ راجيًا أن أنشر في وكالة رويترز خبرًا. كان يتمنى رؤية اسمه بالإنجليزية. في جبر الخواطر يسهل الاكتفاء بكلمات شفهية، من دون التنازل عن معايير مهنية سمحت بالنشر عن روايته الثانية الجميلة. القارئ متوسط الذكاء لا يصدق أن الروايتين للكاتب نفسه. التطور الفني بهذه الطفرة مستحيل، بدليل أنه استمرأ كتابة روايات من المستوى السقيم. هنا يمكن البحث عن آثار قلم المحرر.
في مقدمة كتابي «فتنة الأطياف.. أربعون كتابًا ورواية»، الصادر عن دار صفصافة، إشارات إلى جانب من تجربتي في تحرير المقالات والكتب، في مجلة «الهلال». أتفاءل بالتعامل مع مبدعين لديهم حساسية للغة. كم أتعبتني الناقدة الدكتورة سمية عزام في نقاش حول كلمة، أو بناء جملة، أو اشتقاق لبناني. أما أثير الصفا فتكتب النصوص النقدية بروح الشعر. لم تستحسن ثلاث كلمات اقترحتُها في نهاية جملة بمقالها عن قصة لنجيب محفوظ. قالت: «لا أحسُّها». وفي اليوم التالي وافقتني: «اقتراحك أفضل، اعتمد الكلمات الثلاث».
قرأ الدكتور سمير محمود مخطوطة كتابي «مصر التي..». وفي نهاية أحد الفصول سطرٌ عن خيبة أملي في شيء ما، وختمتُ الفصل بكلمتَي «كنت أحلم». رأى أن الأفضل: «كنت أتوهم»، ووافقته. لا مانع من الموافقة، واختبار ما نكتب بعيون تفصلها عن الكتابة مسافة من حياد المشاعر. في اليوم التالي صحوتُ وتفكَّرتُ ولم أستحسن موافقتي السابقة. كتبت إليه أنني لا أطمئن إلى «كنت أتوهم». فطلب مهلة للتفكير. وفي اليوم التالي أرسل إليَّ رأي صديقه أستاذ اللغة، ينتصر لرأيي، بالحجة النقدية واللغوية. فأدهشني منطقه.
الدكتور سمير محمود
أعادني تأويل الناقد أستاذ اللغة، للتفرقة بين «كنت أحلم» و«كنت أتوهم»، إلى مذكرات ماركيز «عشت لأروي». يحكي عن أمه تقول للدكتور ألفريدو باربوثا إن ابنها جابرييل قضى سنتين وبضعة شهور في كلية الحقوق، «وبحثتْ على الفور عن دعم الدكتور، قائلة: تصور أيها الجار، أنه يريد أن يصير كاتبًا». أشرقت عيناه، وقال: «يا للروعة يا جارتنا! إنه هدية من السماء».
الدكتور فسَّر اختيار الفتى بأنه «القوة الوحيدة القادرة على منازعة الحب امتيازاته، وبخاصة الميل الفني، أكثر الميول سرية وغموضًا، لأن المرء يكرس له حياته كاملة دون أن يأمل منه شيئًا. إنه شيء يُحمل في الداخل، منذ الولادة، ومعاكسته هي أسوأ ضرر للصحة». علق ماركيز: «أصابني الانبهار من الطريقة التي أوضح بها ما لم أستطع توضيحه قط».
في المفاضلة بين «كنت أحلم» و«كنت أتوهم»، وفي غيرها من الجمل القلقة وكل كتابة قرينة للقلق وعدم الاطمئنان، أتذوق الحروف بطرف لساني، وأرددها بصوت مسموع لأختبر إيقاعها. أغار على «الكتابة». والكتابة المعمّرة مجاهدة لا تتنزَّل بيسر. كتب يحيى حقي مشهد تعرُّض إسماعيل بطل «قنديل أم هاشم» للضرب في المسجد، ثم توقف. بعد سنين، ذكر أنه ظل أكثر من أسبوع يبحث عن الكلام الذي ينطق به إسماعيل. في موقف يوشك على الجنون، لا يُعقل أن ينطق بجملة طويلة. في حيرة البحث عن الكلمة المناسبة، تذكَّر يحيى حقي صراخ نيتشه حين أصابه الجنون: «أنا... أنا... أنا». وأدرك صاحب القنديل أن هذه هي الكلمة التي ظل يبحث عنها.
حيرة يحيى حقي، ثم اطمئنانه، تخصُّ عملية الخلق الفني. لا علاقة لها بعمل محرر أدبي يضبط، وينبغي ألا يؤلف. إذا ألَّف صار كاتبًا خفيَّا نجد أثره في مقارنة عملين للكاتب نفسه.
أنتظر من أصدقائي محرري الكتب أن يكتبوا خبراتهم للإفادة. تجارب مهمة، أكبر مما ينتظره الثعالب صائدو النميمة. محرر الكتاب أحيانًا قد يضيف إلى الإبداع ولو شعرًا، ويجرُّده من الزوائد والشحوم البلاغية واللغوية. تجربة إزرا باوند في تحرير «الأرض الخراب» لإليوت تستحق التأمل. وعلى العكس منها ما رواه ماركيز في مذكراته أنه كتب رواية «ساعة الشؤم» في فندق للطلاب بباريس، وربطها بربطة للعنق، وتركها في قاع خزانة، وبعد سنتين وهو في مدينة مكسيكو لم يعرف أين الأوراق، وقد طُلبت منه من أجل مسابقة تنظمها شركة إسو الكولومبية، وجائزتها ثلاثة آلاف دولار، وكان صديقه المصور الكولومبي جييرمو آنجولو يعرف مكان الأوراق، وأرسلها إلى المسابقة، وأُعلن فوزها يوم 16 أبريل 1962، ساعة ولادة ابنه الثاني جونثالو. وُلد «وخبزه تحت إبطه».
عشت لأروي
رئيس لجنة التحكيم أصابه الذعر، وطلب تغيير عنوان «قرية البراز تلك»، فكان «ساعة الشؤم». وطبعت الرواية في مدريد، طبعة فاخرة، واكتشف ماركيز أن الكتاب «قد جرت دبلجته ـ مثل أفلام ذلك الزمان ـ إلى أنصع اللهجات المدريدية». إعادة الكتابة، التي أجراها المحرر الإسباني، بعثت «القشعريرة في جلدي»، «ولم يكتف المصحح بتمشيط النحو في الحوارات، بل خوَّل نفسه التدخل بيد مسلحة في الأسلوب، فامتلأ الكتاب بترقيعات مدريدية لا علاقة لها بالأصل. وبالنتيجة لم يبق لي من مخرج سوى عدم الاعتراف بتلك الطبعة، باعتبارها مزيفة، وجمع النسخ التي لم تُبع وإحراقها. أما ردُّ المسؤولين فكان الصمت الكامل». كتب ماركيز:
«منذ تلك اللحظة، اعتبرت الرواية غير منشورة. وانهمكت في المهمة القاسية لإعادة ترجمتها إلى لهجتي الكاريبية، لأن نسخة المخطوط الأصيلة الوحيدة هي تلك التي أرسلتها إلى المسابقة. وهي نفسها التي ذهبت إلى إسبانيا، من أجل تلك الطبعة. وبعد إقرار النص الأصلي الذي صححته في أثناء ذلك، مرة أخرى، بمبادرة مني، نشرت الرواية دار إيرا، في مكسيكو، مع التنبيه المطبوع والواضح بأنها الطبعة الأولى».
أرجع إلى ما بدأت به المقال، وهو استمراء كتابة روايات غزيرة، في فراغ يمنحه التفرُّغ أو التقاعد، أو زيادة الطلب على بضاعة مغشوشة. وأنبّه إلى أنني أتفادى دائمًا انتقاد كتابات متواضعة، أسوة بأساتذة لم يسمحوا لأنفسهم بتعليق سلبي على أعمال في مجال انشغالهم الإبداعي.
إن أي «كتابة» تقترن بها مهابة، وتسبقها رهبة، وجلٌ من لقاء عشق ينسف سقف التوقع وأمان الرتابة واعتياد القرود.
فتنة القراءة
للقرود مهارات. ما يجذب الانتباه أن أحدًا، منذ صدر الإسلام، لم يجرؤ على الادعاء بانتمائه إلى سلالة النابغة الذبياني، فيفاجئ الناس بضخّ أعمال غزيرة، بعد خمسة عقود لم ينتسب فيها إلى «الكتابة». ولكل موهبة إبداعية مقدمات ومؤشرات دالة على وعد ينشد الاكتمال. ولكن فوائض الصحة، وسطوة المال الثقافي، أربكت المشهد.
في محاولات القرود الأولى للصعود، تستغرق ساعات في اكتشاف مفردات المسرح، ومراكمة مهملات تتخذها سلمًا. وفي المرة الثانية تختصر الوقت، ترصُّ الكراكيب وتنظمها، وتصطنع جسرًا تحتفظ به للقفز مباشرة في المرات التالية. ولكن «الكتابة» مكابدة دائمة، مهما تكن مهارة الكاتب وخبرته بالدروب، ففي كل مرة تتجدد المشقة، ومعاناة البحث عن التجويد. ولا يغرَّنك الذي استمرأ الأمر، واستهوته الشهرة الكاذبة، وشياطين المال الثقافي بإكراهاته وإغراءاته وقدرته على اصطناع نجوم محمولين جوًّا، بحقائبهم وقبعاتهم ونظاراتهم وابتساماتهم من عاصمة إلى أخرى، يتبادلون المقاعد بين الفوز بجائزة، وعضوية لجنة التحكيم، وإلقاء شهادة، وإدارة ندوة. هم الفائزون المحكمّون المدرّبون المدبّرون المديرون المكرمون.