رأيت منشورًا طريفًا لشخصين وسط زحام معرض الكتاب؛ ويقول التعليق: تم العثور على اثنين من القراء وسط آلاف المؤلفين!
دعابة ذكية والمغزى لافت والنكتة لها أساس؛ فهناك آلاف العناوين وآلاف المؤلفين بالفعل، والقارئ كالتائه لا يدري ماذا يقرأ وماذا يدع؟!
الملاحظة التي أصبحت نمطية؛ هي أن الروايات أكثر من الهم على القلب؛ روايات وروائيون بالمئات؛ فمن سيقرأ كل هذا ومتى؟!
غير أن الظاهرة الإيجابية التي تمنيت بقاءها واستمرارها؛ هي شيوع أدب السيرة الغيرية بطريقةٍ فيروسيةٍ عجيبةٍ في سائر دور النشر الخاصة والعامة، وهي ظاهرة صحية، فما زال القراء متمسكين بالمفكرين الكبار والأدباء الحقيقيين؛ يقرأونهم ويقرأون لهم.
الكتب الورقية بخير، وهناك آلاف الكتب تباع وتشترى كل يومٍ بمعرضٍ حقق أرقامًا قياسيةً في عدد رواده أول أسبوعٍ. معنى هذا أن ملايين المصريين متعطشون للقراءة، لكن ليس جميعهم قادرًا على القدوم للمعرض من المحافظات النائية.
ما يؤكد أن السوق المصري تنقصه أسواق جديدة ومنافذ بيعٍ تستوعب كل هذا الكم المعرفي الذي ينتظر مَن ينشره في كل مكانٍ، إنها مشروعات تنتظر مَن يتبناها؛ فبدلاً من سوبر ماركت في كل شارعٍ وعطفةٍ، وبدلاً من أكشاك السجائر التي اختنقت بها الأرصفة، حبذا لو استبدلناها بأكشاكٍ لبيع الكتب!
كنا سباقين
لقد شرفتُ؛ وما زلت، برئاستي لتحرير سلسلةٍ ثقافيةٍ بالهيئة العامة للكتاب اسمها: (سلسلة عقول)، تتناول تراجم وسير الشخصيات الشهيرة في الأدب والفن والعلم والتاريخ والثقافة والفكر.
السلسلة بدأت إنتاجها منذ عامين كاملين؛ وبالتحديد في يناير 2024، وأنتجت حتى اليوم أكثر من عشرين عددًا لشخصياتٍ رائعةٍ بارعةٍ ألهمت آلافًا في أزمانهم، سيرتهم ملهمة لكثيرين من جيل الشباب الآن؛ فالعباقرة يبقى تأثير عبقريتهم ممتدًا عابرًا للأجيال. ولهذا لا تزال مؤلفات العقاد ونجيب محفوظ وطه حسين وتوفيق الحكيم وإحسان عبد القدوس تحقق أعلى المبيعات كل عامٍ. ومهما طُبع منها تنفد طبعاتها ويعاد إنتاجها ونشرها من جديد!
ثم لاحظت هذا العام انفجارًا في أدب السير والتراجم في كل دور النشر تقريبًا؛ وهي ظاهرة طيبة ومحمودة، وليتها تفلح في سحب البساط من روايات الرعب التي باتت تقتحم بأغلفتها البشعة القبيحة كل ركنٍ في المعرض! ثمة تراجم بكل حجمٍ وشكلٍ ولونٍ؛ تراجم لمصريين وعرب وأجانب، لأدباء ومفكرين وزعماء وسياسيين وفنانين وشعراء، تراجم ضخمة بحجم مجلداتٍ وتراجم أخرى صغيرة بحجم الجيب. ظاهرة ممتازة أشجعها بشدةٍ وأتحيز لها تمامًا، فهي عودة للجذور، وتشبث من الشباب؛ ذكي وواعد، بالأدب الحقيقي العميق المفيد وسط طوفانٍ من الزبَد الذي اكتسح محيط النشر والإبداع من كل جانبٍ حتى كاد يغرقه بكل ما هو سطحي وقشري ومزيف وراكد!
لقد كنا نحن؛ بفضل الله ودون ادعاءٍ أو تفاخرٍ، أول مَن افتتح هذا الحراك الثقافي المثمر البناء. ودعونا المثقفين لمثل هذا واستجابوا وتحمسوا للفكرة.
الآن هناك سلاسل مشابهة في كل الهيئات الثقافية: مكتبة الإسكندرية، وهيئة قصور الثقافة، وفي دور النشر الخاصة. وهذا أمر رائع فجميعنا يكمل دور الآخر ولا يلغيه. صحيح أن أعداد سلسلة عقول تميزت بطرحها الشبابي المرن السهل أسلوبيًّا، وبحجمها الوسط بين المجلدات الكبيرة وكتب الجيب السيارة، وبمنهجيتها الفكرية المتبصرة. غير أن وجود سلاسل أخرى في كل مكانٍ أمر نشجعه ونحفزه وندعو إليه؛ إنه أمر يزيدنا فخرًا وحماسًا ورغبةً في تقديم الأفضل دائمًا.
أرقام البست سيلر
لا توجد لدينا مراصد موثوقة غير هادفةٍ للدعاية الشخصية والتسويق تقوم بتقييم الأعمال المهمة أو التي عليها إقبال كثيف، بشكلٍ موضوعيٍّ متجردٍ. لكن لدينا إحصائيات "البست سيلر" الدعائية والإعلامية والتي لا تعبر عن أفضل ما في المعرض من إنتاجٍ فكريٍّ وثقافيٍّ، بل تعبر عن نفوذ أصحاب الأموال لا أصحاب الفكر الحقيقي.
المؤكد أن أرقام الزائرين بالآلاف؛ تجاوزوا ثلاثة ملايين في الأسبوع الأول، نمسك الخشب! ونتمنى أن تزداد الأعداد وتتفوق على أعداد الزائرين في الأعوام السابقة. لقد حدث هذا برغم المشكلة المرورية الموجودة أمام أبواب المعرض وكأننا نصر على إفساد الطبخة بسبب قرش ملحٍ! الأرصفة المكسورة والشوارع المغلقة والمرور الحائر أمام معرض الكتاب؛ كل هذا أتمنى ألا أراه فيما تبقى من أيام المعرض! في اعتقادي أن ما ينقصنا حقًّا كمسئولين عن الشأن الثقافي تشجيع تياراتٍ جديدةٍ من الأدب والثقافة والفكر.
لماذا تنحصر الجوائز الأدبية السنوية على الرواية والشعر والمسرح؟ أين أدب الرحلة والسيرة الذاتية والغيرية؟ أين كتب التاريخ والفلسفة والفكر السياسي والاقتصادي؟ هل اقتصرت المبيعات على الرفاهية الفكرية وتجاهلنا ما يستحق القراءة وأهلنا عليه تراب النسيان والإهمال؟ نعم لدينا إنتاج ثقافي هائل كل عامٍ، لكنه غير منضبطٍ من حيث التقييم والتصنيف والتسويق. والقارئ الحائر سوف يظل حائرًا يبحث عمن يشير إليه تجاه الكتاب الجيد..
وسوف تأتي الصحف والقنوات والمواقع في أعقاب المعرض تستعرض لنا أرقام البست سيلر الملفقة وسوف نبتلع الكذبة ونصدقها. وسوف تنتشر الكتب التي أفلح أصحابها في تسويقها بعلاقاتهم ونفوذهم، وسوف تندثر الكتب التي تستحق القراءة ويطمرها تراب التجاهل والنسيان!
مشروع يبحث عن مستثمر
الثقافة والفكر يتامى في عالم اليوم.. لو سألت كل من حصل على مكافأة المعاش أو على إرثٍ وأراد أن يستثمره في مشروعٍ؛ سيقول: سأفتتح مطعمًا أو مقهى أو حتى كشك سجائر على ناصية الحارة؛ لكنه لن يفكر في افتتاح كشكٍ للثقافة وبيع الكتب. فهل أصبحت القراءة حقًّا بضاعةً كاسدةً، أم أنها لا تجد لها مروجين ومسوقين ومستثمرين أكفاء؟!
هل كان احتكار الدولة للنشر المدعوم وبالاً على حركة النشر والبيع سابقًا؟ وإذا كان النشر المدعوم يجمع الغث والثمين، فهل علينا أن نحجمه ونوفر نقود الدولة لننفقها على مشروعاتٍ ثقافيةٍ أهم؟ مثل أن نزيد عدد منافذ التوزيع في المحافظات، أو نهتم بمسائل التسويق خارج مصر؟ أو أن نحاول غزو أسواقٍ خارجيةٍ بإنتاجٍ ثقافيٍّ تنافسيٍّ يرقى بمستوى الكتابة والتأليف والإبداع؟ إني أتساءل ولا أملك إجاباتٍ..
الغريب أن الإنتاج الثقافي للمؤسسات والهيئات الثقافية الرسمية مدعوم ومتواضع السعر، لكنه دائمًا الأقل مبيعًا! فما السبب؟ وكيف تتفوق عليه المؤسسات الخاصة رغم أنها تبيع بأضعاف السعر، لا بد أن السبب في الإنتاج نفسه؛ الشكل والمضمون.. ما زالت المؤسسات تفتقد الاهتمام بشكل الأغلفة، وجودة المحتوى الثقافي، لأن لديها لوائح تحدد أجورًا ومكافآتٍ جائرةً تطرد الموهوبين بعيداً لأحضان المؤسسات والهيئات الخاصة! فمتى يتم تحديث تلك اللوائح الباقية منذ العهد الملكي البائد؟!
نحو الشبع والرواء
الأرقام التي تؤكد ارتفاع عدد زائري معرض الكتاب عاماً بعد عامٍ لا نستثمرها بحقٍ..
إنها تصرخ في وجوهنا أن الناس تحب القراءة وعلى استعدادٍ أن تشتري الفكر والثقافة بما ادخرته من أموالٍ على مدار العام لهذه المناسبة، فماذا أنتم فاعلون؟
هل بإمكانكم توفير هذه الكتب للمحافظات وللخارج في عصر التسويق الإلكتروني؟ أنا أسأل الحكومة؛ أسأل وزارة الثقافة ومسئولي الهيئات؟ فالسياسات ترسم أولاً في أروقة الحكومة ثم يسير على هداها أصحاب الأموال والاستثمارات الثقافية..
ما الجديد في أنشطة المعرض هذا العام، بينما كثير من فعاليات الأعوام السابقة ألغيت لسببٍ غير معلومٍ؟ وكيف استثمرنا الحدث الدولي في الوقت الذي تموت فيه الندوات والأنشطة الثقافية التي كانت تستوعب المفكرين والمثقفين بالسكتة الثقافية؟!
المصريون جوعى وعطشى للثقافة والفكر، بدليل إقبالهم الشديد على معرض الثقافة والفكر، فمتى تكون لدينا خطة حقيقية لإشباعهم وإروائهم ثقافيًّا كما يليق بأم الدنيا؟!