الأصدقاء والتوقعات والواقع

31-1-2026 | 10:58

تأخذنا التوقعات من الأصدقاء كثيرًا بعيدًا عن الواقع فنصنع الوجع بأيدينا لأنفسنا ونتألم "وحدنا" وقد نفقد الثقة بالنفس أو بالآخرين. نستطيع "منع" ذلك بمناقشة توقعاتنا بأمانةٍ تامةٍ وفلترتها وطرد ما يخالف الواقع؛ وهذا ليس استسلامًا لما "نكره" في الواقع بل حكمة وذكاء "وصيانة" للعمر.

"من الجميل أن يكون لديك صديق كلما أتيت له متكدرًا رجعت منه صافيًا، وحين قدمت إليه ضعيفًا عدت منه أقوى"؛ هذا قول مشهور يتحدث عن صديق "غير" موجود بالواقع؛ وإن وُجد "فسيضر" أكثر مما ينفع؛ فسنعتمد عليه نفسيًّا وننهار إذا ما اختلفنا لأي سببٍ أو ابتعد.

فالصديق نتبادل معه الدعم والتشجيع والاحترام والخبرات ولا "نسلم" أعمارنا له ليفعل بها ما يشاء وقد يأخذنا بعيدًا عن مصالحنا ولو بحسن نيةٍ. من أكثر التوقعات شيوعًا بالنسبة للأصدقاء؛ سيعاملني كما أعامله ويبادلني الاهتمام والحب والحرص على مصلحتي ويسارع إلى نجدتي عند الأزمات، "ولن" يتركني إلا عندما يراني بأفضل مما كنت، وسيطمئنني ويأخذ بيدي لما يفيدني ويحذرني بلطف "واحترام" من كل ما يضرني ويكون الحائط الذي يصد عني كل الأذى "دون" انتظارٍ للمقابل، تمامًا كما "أفعل" أنا معه.

مع احترامنا لمن يفكر هكذا؛ فمن يفعل ذلك مع الصديق "يتوقع" أن يكون صاحبه نسخةً منه. ويتجاهل أن كل إنسانٍ له "ظروفه" ومسئولياته وشخصيته الخاصة وأفكاره وأهدافه ومصالحه أيضًا.

ولا يجب أبدًا انتظار نفس المعاملة من الصديق خاصةً إذا كنا "نسرف" في الاهتمام؛ فكثيرًا ما يراه البعض "حقًّا" لهم!! أو أن الإنسان الكريم في مشاعره وتصرفاته "يحب" فعل ذلك وهذا شأنه وحده وعلى المتلقي فعل ما يرغبه أيضًا. نحذر ممن يحب "جمع" الناس حوله ويعاملهم جميعًا "وكأنهم" أصحابه المقربين؛ ونتذكر قول أرسطو: "صديق للجميع ليس صديقًا لأحد"، ونتفق معه فهو تحليل وتقييم ذكي وواقعي؛ فمن يسعى -من الجنسين- ليصادق الكل لن يكون صديقًا حقيقيًّا للجميع في نفس الوقت أبدًا.

فلن يستطيع ذلك وغالبًا لا يرغب أيضًا؛ فهدفه جمع أكبر عددٍ من الناس حوله. لذا نوصي بألا ننخدع بالمجاملات "الزائدة" والاهتمام فقط بمن يتعامل معنا بصدقٍ، فالتعامل بلطفٍ مع الناس مطلوب، أما محاولة جذبهم بالكذب وادعاء الصداقة فهو المرفوض.

فلنتنبه حتى لا نكون حلقةً من سلاسله التي لا تنتهي ولا نمنح صداقتنا إلا لمن يستحقها.

عندما نحس "بالملل" أو بالوحدة "فلنتوقف" ولا نتسرع بالتعرف على أصدقاء جددٍ؛ فكثيرٌ- من الجنسين- فعلوا ذلك "وندموا" كثيرًا.

"فلنتمهل" ونحسن اختيار من "نضيفهم" لحياتنا لنربح، والعكس صحيح دومًا.

لنحسن اختيار الصديق يجب ألا نتسرع بالتعامل مع أي إنسانٍ يتعامل معنا بلطفٍ أو يخبرنا ببعض تفاصيل حياته وكأنه صديق فالبعض يتعامل مع الجميع كذلك وآخرون يفعلون ذلك للحصول على الثقة وهم لا يستحقونها. قال العرب قديمًا: "المستحيلات الثلاثة الغول والعنقاء والخل الوفي"؛ ونرى أن الصديق الوفي عملة نادرة وليس مستحيلاً وقد "نصادف" صديقًا وفيًّا في مرحلةٍ من العمر أو يتصرف بإخلاصٍ "أحيانًا".

والصواب ألا نبعثر طاقاتنا في التحسر على غياب الوفاء والإخلاص وأن نعيده نحن في تصرفاتنا لنكون "النور" للآخرين وسيوسع حياتنا ألا ننضم لغير الأوفياء أليس كذلك؟

كما نتمهل قبل شراء العطور؛ فتتأكد من جودتها وجميل رائحتها؛ فلنفعل ذلك قبل "منح" أي إنسانٍ "مكانة" الصديق. عندما نرغب في شراء شيءٍ بقوةٍ ونتعجل غالبًا نندم بعد الشراء ونخسر ثمنه، ولكن الثمن يكون غاليًا عندما نرغب "بشدةٍ" في الصداقة وقد نراها مفتاحًا للسعادة "وللطمأنينة" بأن هناك من يهتم بنا ويقدم لنا الدعم لنصبح أفضل وحتى لا نتراجع في الحياة كما يحدث للملايين في كل العالم، ويتضاعف دعمه أثناء الأزمات ويمسح دموعنا ويطمئننا ويساندنا حتى انتهاء المشكلة "ولا" يمن علينا بالمساعدة ولا ينتظر المقابل.

المشكلة عندما نتسرع بمنح مكانة الصديق لمن لا يستحق تكمن في أننا غالبًا نفشي له أسرارنا الشخصية ويتعرف على نقاط "ضعفنا" ولا أحد يخلو منها؛ وقد يستغل ذلك "ويؤذينا" أو على الأقل يخذلنا بكامل وعيه وإرادته بلا ندمٍ فهو لم يتعامل معنا كصديقٍ بل "كوسيلةٍ" لتمضية بعض الوقت.

المؤلم أن الكثيرين من الجنسين ومن كل الأعمار لا يفقدون الثقة بمن خذلهم كصديقٍ!! وهذا أمر طبيعي ونشجعه ونطالب بعدم منحه فرصةً أخرى فسيكرر الخذلان. نحذر من فقدان الثقة بالنفس وعدم القدرة على الاختيار أو فقدان الثقة بالناس جميعًا، وتلوين الحياة بالكآبة والحزن، وتناسي أهمية أن يكون كل منا أفضل صديقٍ لنفسه؛ فيمسح دموعه "بيديه" ولا يحتاج للغير ويطمئن نفسه ويتذكر بأن الله عز وجل "وحده" السند فلا يضعف نفسه بالبحث عن السند من البشر وينصح نفسه عند الأزمات كما ينصح أقرب الناس إليه ويجعل دستوره في التعاملات مع الناس قول الإمام علي كرم الله وجهه: "استغن عمن شئت تكن نظيره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره".

كلمات البحث