31-1-2026 | 10:45

المناقشة كما أفادنا بها السيد "شات جي بي تي" له كل الشكر والتقدير، هي تبادل الآراء والأفكار ووجهات النظر بين شخصين أو أكثر حول موضوع معينٍ، بهدف الوصول إلى فهمٍ أعمق أو نتائج محددةٍ، وتتضمن مداولةً وجدالاً ومحاسبةً، وتُستخدم كأداةٍ تعليميةٍ لإثارة التفكير النقدي وتحليل المعلومات وتطوير الفهم.

كلما قرأت هذا التعريف تذكرت على الفور الفيلم الهندي الرائع الذي لا أملُّ مشاهدته وأجده دومًا درسًا رائعًا في التربية والتعليم "الأغبياء الثلاثة 3 IDIOTS". سأل الأستاذ أحد طلبته عن تعريف الآلة فأجابه أنها كل ما ينفع الإنسان ويجعل حياته سهلةً. فلم يقتنع الأستاذ بهذا التعريف المبسط، ليقوم طالب آخر بتعريف الآلة على غرار ما فعله صديقنا شات جي بي تي في تعريفه السابق لكلمة "مناقشة".

ولأنني من عشاق التبسيط دون تفريطٍ، أرى الاكتفاء بتعريف المناقشة بأنها "تبادل الآراء حول أمرٍ معينٍ".. فقط لا غير! 

لكن أرجو عزيزي القارئ ألا ترى الأمر سهلاً، فتبادل الآراء يفترض وجود أشخاصٍ لديهم أفكار متباينة ما اجتمعوا إلا لمناقشتها. 

يعني أيضًا الإنصات إلى الآخر وعدم الاختلاف معه إن كان رأيه مخالفًا لرأيك، وهو أمر لو كنتم تعلمون عسير، ربما كان القتل أرحم منه بالنسبة للبعض ممن لا يرون إلا رأيهم وحجتهم!

تتجلى تلك الكارثة إن كانت المناقشة بين الآباء والأبناء، أقول ذلك لما شهدته وعاينته حولي من تجارب وحكاياتٍ تثبت لي في كل مرةٍ خطأ الكبار الذي يدفع ثمنه ليس فقط الصغار، ولكن الكبار أنفسهم وربما بشكلٍ أكبر وأقسى.

كثيرون يتصورون أنهم يناقشون أبناءهم، لكنهم لا يعلمون، وربما لن يصدقوا أو يقتنعوا أنهم بعيدون كل البعد عن أصول المناقشة التي أدرجها لنا صديقنا الذكاء الاصطناعي، الذي برهن وأثبت أنه أعلم بأصولها من الكثيرين الذين لو طلبنا منهم تعريف كلمة "المناقشة" لعجزوا عن ذلك.

عايشت كثيرًا من الآباء الذين لا يدركون أن مناقشتهم لأبنائهم ليست رفاهيةً أو امتيازًا يمنحونه لهم! بل واجبٌ وفرضٌ عليهم. لا يفهمون -ومنهم أناس على أعلى مستوى من التعليم- أن من يجلس أمامه ليس نسخةً منه، وإنما فكرة جديدة تبحث عن واقعها وتسعى لتحقيق أحلامها.

أقول لهؤلاء إن أولى قواعد المناقشة أن تستمع وتنصت، فهل تفعل ذلك؟ هل تعطيه الفرصة للتعبير عن نفسه ومشاعره وآرائه، أم تقاطعه لسفاهتها وتفاهة حجتها؟ لا تنزعج يا عزيزي فأنا أتفق معك على أنها قد تكون بالفعل أفكارًا تافهةً وسفيهةً، لكن لا تتضايق إن أخبرتك أن واجبك الأساسي أن تستمع وتنصت وتعطيه الفرصة للتعبير عن نفسه.

لا تكن كالذباب يدور ويدور ثم يقع على أقبح الأشياء، ولكن كن كالنحل لا يقع إلا على كل جميل.. هل تفهم؟ استمع إليه دون أن تلتفت فقط إلى ما تراه تفاهاتٍ، ابحث عن العسل، ابحث عن فكرةٍ جيدةٍ في كلامه يمكن تنقيحها لتساعده على تحقيق هدفه. 

ولا تخبرني باسمًا أن كل حديثه بصل، مستحيل لابد من وجود العسل يا صديقي.. فقط أتعب نفسك في البحث عنه.

احترم وجهة نظره وأشعره بقيمة اجتهاده وتفكيره وما وصل إليه مهما كان، لا تجعل كل همك أن تعطيه محاضرةً طويلةً؛ لأنه أضاع وقته ووقتك الثمين. 

اجعله يتحدث دون خوفٍ وبمنتهى الحرية، لا تجلس أمامه منصتًا -ليس احترامًا له ولا رغبةً في فهم أفكاره- ولكن لتتصيد له الأخطاء وتثبت له عبقريتك الفذة. 

أيها العبقري الفذ يجب أن تفهم أن هؤلاء الأبناء لا يرغبون في معظم الأحوال إلا في شخصٍ يجلس منصتًا لهم، تاركًا لهم المجال للتعبير عما بداخلهم، لا ترهيب ولا إدانة لأفكارهم، لا تخويف ولا تهديد. فقط أذن تنصت إليهم.. هذا كل ما يريدون!

ناقشهم من فضلك، ولا تصدر أحكامًا مسبقةً من واقع خبرتك التي باتت باهتةً عفا عليها الزمان. 

اعترف بذلك قبل أن تجلس إليهم، وواجه نفسك بتلك الحقيقة، هم يواجهون عالمًا مختلفًا عن عالمك الذي عايشته، يتعاملون مع تحدياتٍ جديدةٍ ربما عجزت عن مواجهتها لو كنت في نفس مكانهم. 

لذلك لا تتعجب عندما تجد أفكارهم مختلفةً عن أفكارك فهذا ما نشأوا في ظله ووجدوه ينتظرهم واعلم جيدًا أن العناد هو النتيجة الوحيدة لتصلبك تجاه أفكارهم ورؤيتهم لمستقبلهم.

يقولون لي دومًا إن هذا الجيل عجيب وغريب ومريب، ولا سبيل إلى ترويضه، وأقول لهم دون مللٍ إنه جيل رائع، أذكى وأسرع وأمهر، لكن هل واجهنا ما يواجهونه من أهوالٍ من خلال الإنترنت والشارع، والتعامل مع ظواهر لم نعهدها من قبل، ولكنهم صامدون ويحاولون. 

قبل لومهم على أخلاقهم فلنسأل أنفسنا بكل أمانةٍ هل خصصنا الوقت اللازم لتربيتهم؟ أم انشغلنا بتجهيز الطعام والشقة وتوفير المال لتأمين مستقبلهم كما رأيناه؟ 

ألم تسمعوا المثل القائل "ابنِ ابنك ولا تبنِ له".. قلتها وأنا صغير السن فضحكوا طويلاً وقالوا لي عندما تتزوج سوف تفهم.. وتزوجت وفهمت أن تربية أبنائي هي أهم من حصد المال ليتزوجوا به، إن ربيتهم على الثقة بالنفس وجعلت منهم أشخاصًا قادرين على تحمل المسئولية والعمل والكفاح والاعتماد على النفس فسوف يمكنهم الزواج بأنفسهم من كدهم. فلا تقلق على هذا الأمر.

اعلم أن دورك في حياة أبنائك ينحصر في شرح الأمور وتوضيحها، إن كان له خيارات مختلفة عن اختياراتك، اشرحها له ووضح له عواقبها ثم اترك له حرية الاختيار. هو بحاجةٍ فقط إلى خبرتك، قدمها له بكل أمانةٍ ولا تجبره عليها.

ناقشه …

ناقشه من فضلك..

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة