خابي لام ومعرض القاهرة للكتاب

29-1-2026 | 15:00

هل اختفت ظاهرة صناع المحتوى والمؤثرين في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026؟.. أم أنها لم تختفِ، لكنها فقط قررت أن تخفض صوتها قليلاً؟.. وهل نحن فعلاً أمام تراجع… أم أمام تحول وولادة أجيال جديدة؟

على عكس سنوات سابقة شهدت انتقادات حادة لوجود المؤثرين، تحاول إدارة المعرض هذا العام أن تمشي على الحبل المشدود: موازنة دقيقة بين «التريند» والقيمة الأدبية.. الكل يعرف أن شخصية المعرض هذا العام هي الأديب العالمي نجيب محفوظ، وهو اختيار لا يحتاج إلى دفاع، لأنه منح الفعاليات الرئيسية طابعاً أدبياً رصيناً، كأن المعرض أراد أن يقول بهدوء: الأدب أولاً.

أما الشباب المبدعون، فقد خُصصت لهم مساحات أوسع، للكتاب تحت سن الأربعين، بعيداً عن عدد المتابعين، في محاولة واعية لفرز المحتوى الجيد من محتوى «التريند» الخاطف… وكأن السؤال أصبح: من يكتب جيداً؟ لا من يُشاهد أكثر.

ولكن قبل أن نجيب عن كل هذه الأسئلة… دعونا نبتعد قليلاً.

في منتصف يناير 2026، وعلى الجانب الآخر من العالم، وقع المؤثر العالمي (الإيطالي–السنغالي) خابي لام صفقة تاريخية تقترب قيمتها من 975 مليون دولار مع شركة مدرجة في بورصة الولايات المتحدة، تمنحها حقوقاً حصرية لإدارة علامته التجارية لمدة 36 شهراً، وسط توقعات بإيرادات سنوية تتجاوز 4 مليارات دولار.

رقم يجعل أي ناقد ثقافي يعيد حساباته… ولو سراً.

خابي لام، بالمناسبة، يحب القراءة… إلى حدٍّ ما.. هو سنغالي حافظ للقرآن الكريم -كما كشف في مقابلات مع الإعلام الإيطالي- مثل كثير من أطفال إفريقيا الفقراء، الذين يتعلمون القراءة والكتابة والدين في الكتاتيب الصغيرة المجاورة لبيوتهم.

ويحب أيضاً قراءة المانغا (الكوميكس اليابانية) وكتب الأنمي، وتحديداً سلسلة «دراجون بول»، التي ذكرها كعمله المفضل، ويستلهم منها أفكاره الساخرة البسيطة.

أتخيل -ولو للحظة- ماذا لو دعا معرض القاهرة للكتاب خابي لام لتوقيع نسخ من كتابه Il diario di Khaby (يوميات خابي)، الصادر عام 2022، والذي يحكي فيه عن حياته ونصائحه لتبسيط الأمور وعدم تعقيدها؟

هل سنصفق؟ أم نستنكر؟ أم نفعل الاثنين معاً؟

فعلها معرض الشارقة للكتاب عام 2022 حين استضاف محمد صلاح، لزيادة الحضور الإعلامي العالمي ومحركات البحث—وهي عملة هذا العصر.

وفعلتها معارض أخرى بتنظيم ندوات للمؤثر أحمد الغندور «الدحيح».

ورغم الانتقادات، أرى أن الظاهرة -بحساب بارد- إيجابية لمن لا يقرأون أصلاً، لا يفتحون كتاباً، ولا يمسكون قلماً، ولا يعرفون من الثقافة سوى شاشة الهاتف.

المؤثر اليوم قادر -عبر السوشيال ميديا- على تثقيف جيل كامل، أو على الأقل دفعه خطوة واحدة نحو الكتاب: شراءه، اقتناءه، لمسه، وربما فتحه... وهكذا تدور عجلة الثقافة: طباعة، توزيع، ربح، كتاب، عمال، وسوق ثقافي يتنفس.

وعندنا أيضاً جيل آخر، بعيداً عن المؤثرين التقليديين.. جيل يُطلق عليه «بوكستاجرامر» Bookstagrammers، وهو دمج بين «كتاب» و«إنستجرام».

جيل اتخذ من منصة الصور مساحة للحديث عن الكتب، لكن بطريقته، لا بطريقة النقاد ولا الأكاديميين.

ببساطة: جيل يقرأ بعين الكاميرا كما يقرأ بعين العقل.. صور للكتب على طاولة قهوة، بجانب شمعة، فنجان، نافذة، نبات.. وهنا يبرز السؤال: هل هذه الصيغة مناسبة لنا؟ أم مناسبة لهم فقط؟

هم يرفقون الصور بانطباعات سريعة، اقتباسات، مراجعات مختصرة، ويصنعون هوية بصرية للقراءة، تجعل الكتاب جزءاً من أسلوب حياة، لا واجباً ثقافياً ثقيلاً.

لا يتعاملون مع القراءة كفعل نخبوي، ولا كاختبار ذكاء، بل كتجربة شخصية، يشاركونها مع الآخرين.

هم جيل حول الكتاب من نص إلى صورة، ومن عزلة إلى مشاركة.. فالكتاب عندهم ليس فقط ما يُقرأ… بل ما يُرى، ويُلتقط، ويُشارك، ويُعلق عليه.

طبعاً، هناك من يتهمهم بتسطيح القراءة، وتحويل الكتاب إلى سلعة، والاهتمام بالشكل لا الجوهر.

لكنهم -في النهاية- يُحسب لهم أنهم أخرجوا الكتاب إلى الفضاء العام، وكسروا رهبة الاقتراب منه، وشجعوا على القراءة… أو على الأقل على المحاولة.

الخلاصة أنهم لا يسألون: ماذا قال الكاتب؟.. بل يسألون: ماذا فعل هذا الكتاب بي؟.. ماذا أضاف لحالتي؟ لمزاجي؟ لصورة؟ حتى لو كانت "ستوري" على وسائل التواصل.

سؤال يبدو بسيطاً… لكنه خطير.. لأنه يعيد القراءة إلى الإنسان، لا إلى المنهج.

وفي النهاية.. كما قال أرسطو، "الفضيلة تقع دائماً في الوسط"، فالعالم يحتاج إلى الخفة كما يحتاج إلى العمق، وإلى الضحكة كما يحتاج إلى الفلسفة.. فلا تضيّق واسعاً أيها الناقد الجليل.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة