نتحدث اليوم عن واقع مؤلم؛ لم يكن يتخيل صاحبه أن يأتي يوم ليحدث ويتناقل الناس حكاياته؛ كلنا كانت لنا بدايات؛ على كافة المستويات؛ المدرسة والأسرة والمجتمع؛ وتظل الخبرات المكتسبة هي الوميض الذي يضيء لنا الحياة بكل زهاءها.
من تلك البدايات؛ الألعاب التي كنا نلعب بها صغارًا؛ فإذا سألت أحد الكبار الطاعنين في العمر عن لعبته المفضلة صغيرًا؛ ستكون إجابته حاضرة وسريعة؛ فما نقشته على الحجر في الصغر؛ رافقك طول العمر؛ حتى تحول لعشرة طويلة.
كذلك أمور أخرى؛ مثل سلعة معمرة؛ بنت لنفسها سمعة طيبة واسمًا كبيرًا عبر سنون طويلة جدًّا؛ تمتد لعدد من العقود؛ كانت تزيد من ثقة الناس بها رصيدًا ضخمًا من المحبة والعشرة؛ فهي تمتلك جودة كبيرة جدًّا؛ كما تمتلك قدرات على الصيانة؛ حرصًا من المنتج على بناء جسور من الثقة بينه وبين العملاء؛ وكلما مرت سنوات؛ تحولت الثقة إلى واقع مبهج يتحدث عن نفسه بفخر قد يصل لعنان السماء.
فهل نفس الانطباع موجود اليوم؟ لا أتحدث عن منتج بعينه. ولكن أتحدث عن الفكرة. اسم بدأ صغيرًا؛ ومع مرور الوقت وبذل جهود مضنية؛ تحول لاسم كبير جدًّا في مجاله. ففي مناهج المحاسبة التي تدرسها كليات المحاسبة؛ هناك ما يسمى باسم الشهرة؛ وهو اسم فقط، وقد يكون لمحل صغير جدًّا في مكان ضيق جدًّا أيضًا؛ ولكن له شهرة كبيرة؛ صنعها صاحبه عبر السنين. هذا المحل الصغير كقيمة مكانية قد لا تتعدى بضع مئات من الآلاف؛ أما الاسم فقد يصل ثمنه لعدة عشرات من الملايين!
نعم الرقم صحيح. عشرات من الملايين ثمن للاسم فقط. لأنه يجذب الملايين من الناس.
هذا الاسم تكوّن وكبر على مدار سنوات طويلة؛ لذلك باتت له قيمة مالية كبيرة جدًّا، تخيل العكس؛ لو هذا المحل الصغير الضيق؛ غير مشهور؛ كانت قيمته ظلت صغيرة!
هكذا عدد من الشركات والتوكيلات التي لم تعد بنفس قوتها وقت نشأتها؛ أو مع طغيان شهرتها. بات الأمر لها مكسب مادي وفقط؛ لم يعد المستهلك هو الهدف؛ بل أمسى الهدف هو ما يمكن تحقيقه من مكسب مادي فقط.
ونسوا هؤلاء أن رضا المستهلك يصنع مكاسب لا حصر لها؛ منها المادي أيضًا؛ ولمن ضاقت النظرة الاقتصادية على المادي وغفلت أنها بتلك الكيفية تخسر المكسب المادي؛ ولكن على المدى القريب.
وسائل التواصل الاجتماعي حبلى بكثير من القصص المرعبة والمحزنة؛ لشركات صنعت مجدًا؛ وبين يوم وليلة تنسفه بشكل عجيب.
عميل أخذ منتجًا؛ واكتشف به عيبًا؛ عليه أن يذوق الويل كله حتى يأخذ حقه في الضمان؛ وفي بعض الأحيان يكون المنتج معيبًا؛ لا يصلح للاستعمال؛ والضمان يعطيه الحق في الاستبدال؛ ولكن يرفض الوكيل الاستبدال بحجج كثيرة؛ ويعطي مبررات عجيبة؛ محصلتها لا تبديل. وتلك نظرة مخيبة للآمال. ليست فقط آمال المستهلك؛ ولكنها أيضًا آمال المنتج؛ الذي يخسر اسمه رويدًا رويدًا. حتى يأتي يوم يخسر فيه كل شيء. فهو من هانت عليه العشرة؛ فهان منتجه على الناس.
[email protected]