يحل اليوم ذكرى ميلاد الفنانة الكبيرة دولت أبيض والتي انطلقت رحلتها الفنية من خشبة المسرح عام 1917، لتصبح خلال عقود قليلة واحدة من أهم ركائز الحركة المسرحية والسينمائية في مصر والعالم العربي تنقّلت بين أكبر الفرق المسرحية، وشاركت في تقديم روائع شكسبير وكبار المؤلفين، قبل أن تنتقل إلى السينما وتفرض نفسها كأشهر أم في تاريخ الشاشة المصرية، بأداء اتسم بالقوة والهيبة والعمق الإنساني.
موضوعات مقترحة
دولت أبيض
سيرتها الذاتية
نشأت في بيئة أرستقراطية محافظة وتلقت تعليمها بمدرسة الراهبات الفرنسية، لكن شغفها الفني دفعها للتمرد على حياة البذخ والصدام مع عائلتها التي عارضت دخولها عالم التمثيل، حتى وصل الأمر بوالدها للتبرؤ منها قبل أن تثبت جدارتها وتصبح أيقونة في تاريخ المسرح والسينما العربية.
بدأت رحلتها الفنية الحقيقية عام 1917 عندما اكتشفها الفنان عزيز عيد في إحدى الحفلات العائلية، وأقنعها بالعمل في فرقته المسرحية، لتقف على خشبة المسرح لأول مرة في مسرحية الكونتيسة، ثم مسرحية خلى بالك من إيميلي، ومن بعدها قدمت مسرحية "ليلة الدخلة"، وحققت نجاحًا لافتًا من أول تجربة، ما فتح أمامها أبواب الفرق المسرحية الكبرى.
دولت أبيض
فرقة نجيب الريحاني
انتقلت بعد ذلك إلى فرقة نجيب الريحاني، ثم التحقت بفرقة جورج أبيض، الذي تزوجته عام 1923، بعد قصة حب شهيرة في الوسط الفني، وحملت اسمه، ليشكلا معًا واحدًا من أهم الثنائيات في تاريخ المسرح المصري.
دولت أبيض
مشوارها الفني
تنقلت دولت أبيض بين العديد من الفرق المسرحية المهمة، فسافرت إلى سوريا عام 1920 مع فرقة أمين عطا الله، ثم التحقت بفرقة منيرة المهدية، وفي عام 1921 مثلت في أوبريت (شهرزاد) لفرقة سيد درويش، ثم انتقلت إلى فرقة الريحاني ومثلت (ريا وسكينة)، وانضمت مع زوجها إلى فرقة يوسف وهبى عام 1923، واشتركا في مسرحيات "لويس الحادي عشر، عطيل، الأب ليبونار، الجريمة والعقاب، وكليوبترا.
أدوار الملكات
عرفها جمهور المسرح بتميزها اللافت في أدوار الملكات، السيدات الأرستقراطيات، والشخصيات القوية المتسلطة، وامتلكت قدرةً استثنائيةً على تجسيد دور الأم القاسية الصارمة، رغم أنها في حياتها الخاصة كانت مثالاً للحنان والعطف على بناتها.
الفرقة القومية المصرية
وفي عام 1935 انضمت إلى الفرقة القومية المصرية عند تأسيسها براتب 35 جنيهًا، وقدمت من خلالها بطولات مسرحية مهمة، من بينها: الملك لير، شمشون ودليلة، مضحك الملك، الشعلة المقدسة، المعجزة، وغادة الكاميليا، قبل أن تقدم استقالتها عام 1944.
وفي خطوة تؤكد ريادتها، بنت مسرحًا يحمل اسمها في حدائق القبة عام 1944، والذي تحوّل بعد عامين إلى دار عرض سينمائي باسم سينما هونولولو، لتصبح من أشهر دور العرض في مصر، قبل أن تتعرض للاحتراق الكامل خلال حريق القاهرة عام 1952.
أشهر أمهات السينما المصرية
دخلت دولت أبيض عالم السينما عام 1930، وأصبحت مع مرور الوقت واحدةً من أشهر أمهات السينما المصرية، وقدمت ما يقرب من 30 فيلمًا، من أبرزها: (زينب، الوردة البيضاء، دايمًا في قلبي، ظلموني الحبايب)، واختير لها فيلمان ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، حسب استفتاء النقاد عام 1996، هما: "المراهقات" عام 1960 مع ماجدة و"امبراطورية ميم" مع فاتن حمامة عام 1972.
زيجات دولت
وعلى الصعيد الإنساني والشخصي، تزوجت دولت أبيض مرتين، الأولى في سن مبكرة من خارج الوسط الفني وتُوفي زوجها وهي في الثالثة والعشرين، ثم تزوجت من جورج أبيض وأنجبت منه ابنتها سعاد، بينما أنجبت من زواجها الأول إيفون، وشهدت حياتها الخاصة تحديات قاسية وضغوطًا اجتماعية، بسبب اختيارها طريق الفن، حيث تحدثت في حوارات نادرة عن قطيعة عائلية عانت منها في بداياتها.
اعتناقها الإسلام
وفي عام 1953 أعلنت دولت أبيض اعتناقها الإسلام مع زوجها وابنتيها، ويُقال إن استماعها إلى الأذان وتلاوة القرآن الكريم بصوت الشيخ محمد رفعت كان له أثر بالغ في هذا القرار.
وبعد وفاة زوجها، أنفقت على طباعة 100 ألف نسخة مترجمة من القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية وأرسلتها إلى السفارة المصرية في باريس صدقةً جاريةً على روحه، وكرّست سنواتها الأخيرة لتربية أحفادها والقراءة والاستماع إلى القرآن الكريم.
رحلت دولت أبيض في 4 يناير 1978 بعد تدهور حالتها الصحية، ليُسدل الستار على حياة فنية وإنسانية ثرية، وتبقى واحدةً من أعظم رائدات المسرح العربي، واسمًا لا يُنسى في تاريخ الفن المصري.