لم يكن أمرًا سهلًا محاورتها؛ فالتجربة التي تحملها تتجاوز حدود التصنيف، وتتشابك فيها الكتابة الإبداعية بالبحث اللغوي، والنشر الثقافي بالهمّ المعرفي. في هذا الحوار، نقترب من كاتبة ترى اللغة قدرًا لا مهنة، وتتعامل مع الشعر بوصفه سؤالًا وجوديًا لا ترفًا جماليًا.
موضوعات مقترحة
على هامش مشاركتها في الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب، تفتح الشاعرة والناقدة والناشرة الأردنية الدكتورة هناء البواب، مشاهد رؤيتها للثقافة العربية، وموقع المعرض في دعم المبدع، ولتجربتها الشخصية بين القصيدة والدراسة والنشر، في حوار يتجاوز الإجابات المباشرة إلى تأملات عميقة في معنى الكتابة، ودور المثقف، وحدود الإبداع في زمن التحولات المتسارعة.
إلى نص الحوار:
-يُعد معرض القاهرة للكتاب أحد أهم المنصات الثقافية في العالم العربي، كيف تقيّمين دوره اليوم في دعم المبدع العربي؟
معرض القاهرة الدولي للكتاب ليس حدثًا ثقافيًا موسميًا فحسب، بل هو ذاكرة حيّة للثقافة العربية، وواحد من أهم الفضاءات التي تشكّل فيها الوعي الأدبي والفكري العربي عبر عقود طويلة. منذ تأسيسه، لم يكن هذا المعرض مكانًا لبيع الكتب فقط، بل كان ساحة لقاء كبرى بين الكاتب والقارئ والناقد والناشر، ومختبرًا حقيقيًا للأفكار والتيارات والمدارس الأدبية.
اليوم، وفي ظل التحولات الرقمية المتسارعة وتغيّر علاقة الإنسان بالكتاب، تزداد أهمية هذا الدور أكثر من أي وقت مضى. المعرض يمنح المبدع العربي ما لا تمنحه المنصات الافتراضية: اللقاء الإنساني المباشر، حرارة الحوار، واختبار النص أمام قارئ حيّ يملك تاريخًا من القراءة والنقد والذائقة الرفيعة. هو مساحة مقاومة ثقافية هادئة في مواجهة ثقافة الاستهلاك السريع، ويعيد الاعتبار لفكرة القراءة بوصفها فعلًا معرفيًا عميقًا لا عادة عابرة.
وأرى أن دعم المبدع لا يتحقق فقط عبر إتاحة المنصة، بل عبر خلق بيئة حقيقية للحوار والنقد والاكتشاف، وعبر الاهتمام بالأصوات الجديدة وبالمشاريع الفكرية الجادة. وإذا أراد المعرض أن يحافظ على ريادته، فعليه أن يعمّق برامجه الثقافية، وأن يوازن بين الحضور الجماهيري والبعد المعرفي، حتى يظل بحق رافعة أساسية لدعم الثقافة العربية وصيانة الوعي الجمعي.
-المشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين تحمل دائمًا خصوصية مختلفة، ماذا تمثّل لكِ هذه المشاركة، وماذا تضيف لمسيرتك ولحضورك العربي؟
القاهرة بالنسبة لي ليست مدينة أزورها للمشاركة في معرض، بل مدينة ذاكرة ومرجعية ثقافية كبرى في الوجدان العربي. المشاركة في معرض القاهرة تمثّل في كل مرة لحظة مواجهة جميلة مع الذات ومع التجربة، لأنني أقف أمام جمهور يعرف الأدب جيدًا، ويحمل تاريخًا طويلًا من القراءة والحوار والنقد.
هذه المشاركة تضيف لمسيرتي بعدًا عربيًا عميقًا، لأنها تفتح أبواب تواصل حقيقي مع قرّاء من مشارب مختلفة، ومع نخب ثقافية لها ثقلها التاريخي والمعرفي. في القاهرة أشعر أن النص يخرج من عزلته، ويصبح جزءًا من حركة ثقافية واسعة، وأن التجربة الفردية تتحوّل إلى حوار عربي مشترك.
وما يميّز هذه المشاركة أنها لا تمنحني فقط فرصة العرض، بل فرصة التعلّم أيضًا؛ أتعلم من أسئلة القرّاء، ومن اختلاف وجهات النظر، ومن حرارة النقاش الذي لا يشبه أي مكان آخر. لذلك أعتبر الحضور في القاهرة من أغنى التجارب الثقافية في مسيرتي.
-وما الذي يحتاجه المعرض كي يظل منصة حقيقية للمعرفة لا مجرد موسم ثقافي عابر؟
أعتقد أن التحدي الأكبر اليوم هو الحفاظ على جوهر المعرض المعرفي وسط الطابع الاحتفالي الواسع. من المهم أن يظل المعرض حدثًا مفتوحًا للجمهور، لكن الأهم أن يحافظ على دوره كمؤسسة ثقافية فاعلة لا كسوق موسمية للكتاب فقط.
نحتاج إلى مزيد من الندوات النوعية، وإلى مساحات أوسع للحوار النقدي الجاد، وإلى دعم حقيقي للمواهب الشابة والتجارب الجديدة. كما نحتاج إلى الاستثمار أكثر في الترجمة، وفي الفكر، وفي الدراسات، حتى يبقى المعرض مساحة لصناعة الأسئلة وتوسيع الأفق، لا مجرد محطة عابرة في رزنامة الفعاليات الثقافية.
-كيف تقدّمين نفسكِ للقارئ: شاعرة أم أديبة أم باحثة لغوية أم ناشرة، أم أن هذه المسميات تذوب في تجربة واحدة؟
كلما حاولت أن أضع نفسي داخل تعريف واحد، شعرت أنني أختصر تجربة واسعة ومعقّدة في كلمة لا تكفيها. أنا لا أعيش حياتي بوصفها مجموعة ألقاب، بل بوصفها مسارًا إنسانيًا تقوده اللغة في كل تجلّياتها. الشعر، والبحث، والنشر، والكتابة الإبداعية ليست عندي مسارات منفصلة، بل طبقات متراكبة من تجربة واحدة بدأت منذ اللحظة التي أدركت فيها أن الكلمة ليست أداة تعبير فقط، بل طريقة وجود.
حين أكتب قصيدة، لا أشعر أنني أمارس وظيفة، بل أعيش حالة إنسانية كاملة أبحث فيها عن نفسي وعن أسئلتي العميقة. وحين أعمل في النشر، لا أرى نفسي مديرة مشروع فحسب، بل امرأة تحاول أن تصنع جسورًا بين النصوص والقراء، وأن تمنح الأصوات الجديدة فرصة عادلة للحضور.
الدراسة الأكاديمية لم تفصلني عن الشعر، بل عمّقت علاقتي به، وعلّمتني أن اللغة مسؤولية وذاكرة. لذلك أفضل أن أقدّم نفسي ببساطة: كاتبة تعيش في قلب اللغة، وتتنقّل بين أشكالها المختلفة، دون أن تحبس نفسها في مسمّى واحد.
-متى كانت اللحظة الأولى التي شعرتِ فيها أن الشعر قدركِ وليس مجرد هواية؟
لم تكن لحظة واحدة واضحة، بل مسارًا طويلًا من الاكتشاف الهادئ. في البداية كنت أكتب كما يكتب كثيرون، بدافع التعبير أو الفضفضة، ثم اكتشفت مع الوقت أن الكتابة لم تكن خيارًا إضافيًا في حياتي، بل ضرورة داخلية لا أستطيع الهروب منها.
اللحظة الحاسمة كانت حين أدركت أن الصمت داخلي يصبح خانقًا إن لم يتحوّل إلى كلمات، وأن اللغة هي ملجئي الأول في الفرح والحزن والارتباك. حينها فهمت أن الشعر لم يكن هواية أمارسها متى شئت، بل قدرًا اختارني بهدوء شديد.
منذ تلك اللحظة، لم أعد أتعامل مع القصيدة كترف جمالي، بل كطريقة حياة، وكوسيلة نجاة، وكمرآة أرى فيها ملامحي الأعمق التي لا أجرؤ أحيانًا على مواجهتها في الحياة اليومية.
-ما الذي أضافته الدراسة الأكاديمية للغتك الشعرية، وما الذي أخذته منكِ؟
الدراسة الأكاديمية منحتني وعيًا عميقًا باللغة وبخفاياها، وعلّمتني احترام النص والانتباه لبنائه ودلالاته، ومنحت لغتي صرامة وعمقًا ورؤية نقدية جعلتني أكثر مسؤولية تجاه ما أكتب.
لكنها في المقابل أخذت مني في بعض المراحل شيئًا من اندفاع البدايات ومن براءة اللحظة الشعرية الأولى. جعلتني أراقب لغتي أكثر مما ينبغي أحيانًا، وأخشى الانفلات الجميل الذي يولد منه الشعر الحقيقي.
احتجت زمنًا طويلًا لأصالح بين المعرفة والدهشة، بين الناقد والشاعرة. اليوم أشعر أنني وصلت إلى هذه المصالحة النادرة: أكتب بوعي، نعم، لكنني أسمح للقلب أن يقود، وللجملة الأخيرة أن تولد من الإحساس قبل النظرية.
-ما رأيك في قصيدة النثر وموقعها من المشهد الشعري؟
قصيدة النثر اليوم حقيقة راسخة في المشهد الشعري العربي. أنا لا أنظر إليها بوصفها قضية شكل أو تمرّد على الوزن، بل بوصفها تعبيرًا عن تحوّل عميق في الحساسية الشعرية وفي علاقة الشاعر بالعالم.
هي مساحة حرية واسعة، لكنها في الوقت نفسه امتحان قاسٍ للموهبة، لأنها تضع الكاتب عاريًا أمام القارئ بلا إيقاع يحميه ولا قافية تستره. النص إمّا أن يكون حيًا نابضًا أو يسقط فورًا في أول اختبار قراءة.
مشكلتنا ليست في قصيدة النثر، بل في الفوضى التي رافقت انتشارها. كثيرون ظنّوا أن غياب الوزن يعني غياب الشروط. والحقيقة أن الزمن وحده هو الحكم العادل الذي سيُبقي ما يستحق البقاء ويترك ما كُتب كموضة عابرة.
-هل ما زالت الشاعرة العربية مضطرة لإثبات نفسها أكثر من الرجل؟
إلى حدّ بعيد نعم، رغم التحولات الإيجابية الكبيرة. ما زالت المرأة المبدعة تُواجَه أحيانًا بأسئلة لا علاقة لها بجودة النص، وكأن الإبداع حين يصدر عن امرأة يحتاج إلى تبرير إضافي.
لكن الجميل أن كثيرًا من الشاعرات العربيات اليوم تجاوزن هذه المرحلة بقوة النص وبالاستمرارية، وفرضن حضورهن بهدوء وذكاء. أؤمن أننا نسير ببطء نحو مرحلة يُقاس فيها الإبداع بجماله وصدقه فقط، لا بهوية صاحبه.
-كيف تنظرين اليوم إلى تجربتك الإبداعية، وأي المراحل كانت الأكثر تأثيرًا في تشكيل صوتك الأدبي؟
أنظر إلى تجربتي اليوم كرحلة إنسانية طويلة قبل أن تكون مشروعًا أدبيًا. كل مرحلة مررت بها تركت أثرها في لغتي وفي رؤيتي للعالم: الطفولة، الدراسة، الخسارات، الغربة، والعمل الثقافي.
أكثر المراحل تأثيرًا لم تكن تلك التي حصدت فيها نجاحًا أو تصفيقًا، بل تلك التي عشت فيها تحولات داخلية عميقة. لأن الأدب الحقيقي يولد في الصمت، وفي الأسئلة التي لا نجرؤ على قولها علنًا.
اليوم أشعر أن صوتي أكثر هدوءًا وتصالحًا مع نفسه، أقل ادّعاءً وأكثر صدقًا. لم أعد أبحث عن القصيدة اللامعة، بل عن القصيدة التي تشبهني وتشبه حياتي.
-بصفتك ناشرة ومؤسسة لدار نشر، كيف ترين واقع صناعة النشر العربي؟
صناعة النشر العربي تمر بمرحلة دقيقة مليئة بالتحديات، من ارتفاع التكاليف إلى تغير أنماط القراءة والتوزيع، لكنها في الوقت نفسه تشهد حراكًا جميلًا ومبادرات شابة واعدة.
أؤمن أن الحل يكمن في الاحتراف، واحترام حقوق المؤلف، والاستثمار في الجودة، وبناء مشاريع ثقافية طويلة النفس لا تبحث عن الربح السريع فقط، بل عن صناعة أثر ثقافي حقيقي ومستدام.
-في ختام مشاركتك بمعرض القاهرة للكتاب، كيف تقيمين القارئ المصري؟
القارئ المصري ظاهرة ثقافية فريدة في العالم العربي. يمتلك تاريخًا طويلًا مع الكتاب، ووعيًا نقديًا عاليًا، وحسًا ثقافيًا متجذرًا.
ما يميّزه أنه قارئ حيّ، يدخل في علاقة حقيقية مع النص، يسأل ويناقش ويختلف ويتفاعل. واللقاء به تجربة ثرية تجعل الكاتب أكثر وعيًا بنفسه وبمسؤوليته تجاه الكلمة.
أعتبر القارئ المصري من أجمل مكاسب المشاركة في القاهرة، ومن أصدق المرايا التي يمكن أن يرى فيها الكاتب صورته الحقيقية.