في شوارع هادئة ومدارس مزدحمة، تتكرر مشاهد أطفال غارقين في شاشات هواتفهم، أصابعهم تتحرك بسرعة، وأعينهم لا تكاد ترفع عن عالم افتراضي شديد الجاذبية. ورغم أن ألعاب الموبايل تُسوَّق باعتبارها وسيلة ترفيه آمنة، فإن تقارير تربوية ونفسية بدأت تدق ناقوس الخطر حول تأثير إدمان بعض هذه الألعاب على سلوك الأطفال، وصولًا إلى التورط في أنماط من الجرائم الصغيرة.
موضوعات مقترحة
آليات إدمان مصمَّمة بعناية
يوضح الدكتور أحمد سالم، أستاذ علم النفس السلوكي، أن كثيرًا من ألعاب الموبايل لا تُبنى عشوائيًا: «هذه الألعاب تعتمد على أنظمة مكافآت متكررة، ونقاط، ومستويات، تجعل الطفل في حالة ترقّب دائم، وهو ما يؤثر على مراكز التحكم في السلوك ويخلق نمطًا قريبًا من الإدمان».
ويؤكد أن الطفل المدمن يصبح أكثر اندفاعًا وأقل قدرة على تقدير العواقب، ما ينعكس على سلوكه داخل الأسرة والمدرسة.
إدمان ألعاب الموبايل بين الأطفال
تطبيع الجريمة داخل العالم الافتراضي
من جانبها، تشير الدكتورة منى عبد الرحمن، خبيرة التربية الرقمية، إلى أن خطورة بعض الألعاب تكمن في محتواها: «عدد من الألعاب الشائعة بين الأطفال يقوم على أفكار مثل السرقة، الهروب من الشرطة، الاعتداء، أو تحقيق مكاسب عبر الاحتيال، ومع التكرار يتم تطبيع هذه السلوكيات وكأنها أفعال عادية أو ذكية».
وتحذّر من أن الأطفال في المراحل العمرية المبكرة لا يمتلكون القدرة الكافية على الفصل بين ما هو افتراضي وما هو واقعي.
من الشاشة إلى الواقع
في إحدى المدارس الحكومية، يروي أخصائي اجتماعي أن طفلًا في المرحلة الإعدادية تورط في سرقة متعلقات زملائه: «عند مواجهته، لم يُبدِ شعورًا حقيقيًا بالذنب، واعتبر ما فعله وسيلة مشروعة للحصول على المال اللازم للشراء داخل لعبة إلكترونية».
كما رصدت مصادر تربوية حالات ابتزاز إلكتروني بين الأطفال، باستخدام حسابات الألعاب أو منصات الدردشة المرتبطة بها، في تقليد واضح لما يتعلمونه داخل هذه العوالم الرقمية.
اقرأ أيضا:
بعد تزايد أضرار الهاتف المحمول على الأطفال.. هل أصبحت الشاشات تهديدًا حقيقيًا لجيل كامل؟
«طفولة بلا شاشات».. تحرك برلماني لمنع الموبايل عن الأطفال بعد توجيهات الرئيس السيسي
غياب الرقابة الأسرية
تؤكد الدكتورة هالة يوسف، أستاذة علم الاجتماع، أن الأسرة تتحمل جانبًا كبيرًا من المسؤولية: «الهاتف أصبح أداة لإشغال الطفل بدلًا من الحوار والتوجيه، وفي كثير من الأحيان لا يعرف الأهل نوعية الألعاب التي يستخدمها أبناؤهم ولا الرسائل التي تبثها».
وترى أن الضغوط المعيشية دفعت بعض الأسر إلى الاعتماد على الهاتف كـ«حل سريع»، دون إدراك للعواقب بعيدة المدى.
إدمان ألعاب الموبايل بين الأطفال
خبراء: الحل ليس المنع
يتفق المختصون على أن المنع الكامل ليس حلًا فعالًا، بل قد يدفع الطفل إلى التمرد أو الاستخدام الخفي. ويوصون بـ:
- تحديد وقت يومي لاستخدام الهاتف.
- متابعة محتوى الألعاب وتصنيفها العمري.
- فتح نقاش مستمر مع الأطفال حول ما يشاهدونه ويمارسونه.
- إدماج مفاهيم التربية الرقمية في التعليم.
- تشديد الرقابة على الألعاب التي تروّج للعنف أو السلوك الإجرامي.
بين تطور التكنولوجيا وتراجع الدور التربوي، يقف الطفل في مواجهة عالم رقمي مفتوح بلا ضوابط. وإذ لا يمكن تحميل ألعاب الموبايل وحدها مسؤولية انحراف السلوك، فإن إدمانها، في ظل غياب الرقابة والوعي، قد يشكل بوابة خفية لوقوع الأطفال في سلوكيات إجرامية تهدد أمنهم ومستقبلهم، ما يستدعي تحركًا عاجلًا من الأسرة والمؤسسات التعليمية والجهات المعنية.
موضوعات قد تهمك:
تهدد أمن الأطفال.. الألعاب الإلكترونية من المتعة إلى الإبتزاز الرقمي.. كيف نحمي أولادنا؟
منع استخدام الأطفال للموبايل.. دعوة رئاسية تفتح ملف "الإدمان الرقمي" و"مستقبل النشء"