آن الأوان لمتحف ثروت عكاشة

28-1-2026 | 11:49

إن تكريم الرموز الكبرى لا يكون بالاحتفاء العابر أو الذكرى الموسمية بل بترسيخ إنجازاتهم في الوعي العام وتحويل سيرتهم إلى ذاكرة حية للأجيال القادمة ومن هذا المنطلق يبرز اسم الوزير الراحل الدكتور ثروت عكاشة بوصفه أحد أهم مؤسسي النهضة الثقافية الحديثة في مصر ورمزًا استثنائيا جمع بين الانضباط العسكري والرؤية الثقافية الشاملة.

آن الأوان لإنشاء متحف يحمل اسم الوزير الدكتور ثروت عكاشة، يضم أرشيفه الكامل وكتبه ومشروعه الفكري في الفن والتراث ليكون شاهدا على تجربة فريدة أسهمت في تشكيل الوعي الثقافي المصري المعاصر ويضاف إلى ذلك تخصيص قاعة دائمة توثق دوره العظيم في إنقاذ آثار النوبة ذلك المشروع الإنساني والحضاري غير المسبوق الذي قاده بتعاون دولي مع منظمة اليونسكو وأنقذ به تراثا عالميا من الضياع.

وآن الأوان لإطلاق اسمه على مشروع قومي دائم للترجمة تخليدًا لدوره الريادي في نقل المعارف الإنسانية إلى اللغة العربية واستكمالا لمسيرته التي آمنت بأن الترجمة جسر أساسي للنهضة والانفتاح الحضاري.

لقد كان ثروت عكاشة ابنا اصيلا للمؤسسة العسكرية المصرية خرج منها حاملا قيمها في الصرامة التنظيمية والانضباط في التنفيذ، والإحساس العميق بالمسئولية الوطنية لكنه أدرك مبكرا أن المعركة الحقيقية لا تخاض بالسلاح وحده بل بالوعي وبقدرة الإنسان على تجاوز حدوده الضيقة ورؤية العالم في أفقه الإنساني الواسع.

لم يتعامل مع الثقافة بوصفها ترفًا أو زينة سياسية بل اعتبرها عمودا فقريا للأمة وحقا اصيلا لكل مواطن ومن هذا الإيمان أسس وبنى المؤسسات الثقافية الكبرى التي شكلت الهيكل الأساسي لوزارة الثقافة من بينها:

المجلس الأعلى للثقافة والهيئة العامة للكتاب وأكاديمية الفنون وهيئة الثقافة الجماهيرية (قصور الثقافة) ودار الكتب والوثائق القومية إلى جانب دعمه لإنشاء المتاحف القومية والإقليمية في مختلف أنحاء البلاد.

وكان ثروت عكاشة مثقفا عالميا يتقن عدة لغات ومثل مصر ثقافيا في اليونسكو والمحافل الدولية وجعل من الثقافة المصرية طرفا فاعلا  في الحوار الإنساني العالمي لا مجرد تراث محلي منغلق على ذاته.

ألف أكثر من 70 كتابًا وموسوعة في الفنون والثقافة والفكر، وأطلق أكبر مشروع ترجمة عرفته مصر في القرن العشرين نقلت من خلاله إلى العربية مؤلفات في الفلسفة والفنون والتاريخ والفكر الإنساني وأسهمت في تشكيل وعي أجيال كاملة.

إن إنشاء متحف يحمل اسمه وتخليد مشروعه في الترجمة ليسا مجرد تكريم لشخص بل وفاء لتجربة وطنية كبرى ورسالة واضحة بأن مصر لا تنسى من بنوا وعيها وحموا ذاكرتها وصاغوا صورتها الثقافية في العالم.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: