كيف أنقذ يوسف شاهين فريق عمل فيلم «المهاجر» من السيول؟| خاص

28-1-2026 | 09:39
كيف أنقذ يوسف شاهين فريق عمل فيلم ;المهاجر; من السيول؟| خاصيوسف شاهين وعليا الأسطاوي
سارة نعمة الله

 يعرف الكثيرون عن عالم يوسف شاهين الإخراجي باعتباره واحدا من أهم المخرجين أصحاب البصمات الاستثنائية في السينما المصرية،  لكن لا أحد يعرف شيئا عن «جو» الإنسان الحنون والأب الروحي لكل من يعمل معه،  فهو بالنسبة لكل من عمل معه صديق مقرب يخاف على كل من يجاوره من أصغر عامل إلى أكبر فنان. 

في السطور القادمة،  تروي عليا الأسطاوي أقدم العاملين في مجال الأزياء بالوسط الفني، رحلة عملها مع المخرج العالمي يوسف شاهين والذي يحتفي الوسط الفني بمئوية ميلاده «٢٥ يناير 1926» خلال هذه الأيام،  تحكي عن مواقف خاصة جمعتها به وبالعاملين معه،  تؤكد على بساطة وتواضع الراحل في علاقته بكل من اقترب له،  وكيف كان يضع كرامة العامل ومصلحته في المقدمة حتى أنها أكدت أن شركته هي الوحيدة في مصر التي كانت تضع نظام تأمين شامل على كل من يعمل بها،  تفاصيل آخرى ترويها الأسطاوي في السطور القادمة على لسانها... 

«الأستاذ».. اللقب الذي وصف يوسف شاهين باختصار

تبدأ الأسطاوي حديثها مؤكدة أنها لا تجد لقب أدق في وصف «جو» الإ ب « الأستاذ» الذي كان يحبه ويقدره كل من يعمل معه، وتسرد الأسطاوي رحلة عملها مع «يوسف شاهين»،  وتقول: 
بدأت العمل معه من أول فيلم «حدوتة مصرية»  ثم «اليوم السادس» مع داليدا مرورا بأفلام «المهاجر»،«الآخر»،«هي فوضى»آخر أعماله. 

عليا الأسطاوي: يوسف شاهين كان يجلس مع العمال ويأكل معهم

تواصل الأسطاوي حديثها: طوال رحلتي مع الأستاذ، لمست فيه كونه إنسان بسيط جدا، وكان بينه وبين العمال عشق كان يأكل ويجلس معهم، ومثلا عندما كنا نجهز لفيلم به أغاني كان يسمعنا كلمات الأغنية ويأخذ آراءنا جميعا وكان يقول لنا:«أنتوا نبض الجمهور». 


عليا الأسطاوي: يوسف شاهين الوحيد الذي كان يؤمن على حياة العامل

تواصل الأسطاوي حديثها عن واحدا من أشهر أفلام السينما المصرية «المهاجر» وتروي كواليس رحلة الشقاء والعمل في هذا المشروع الاستثنائي، وكيف وقف الراحل بجانبها في الظرف الصحي الذي تعرضت له خلال التصوير، وتضيف: كنا نصور  في واحة سيوة، وكانت بالماضي لا يوجد بها بنية تحتية مثل الآن، وكان بها فندق وحيد واستراحة واحدة يمكن المكوث بها للعمال الرجال حيث كان عددنا ضخم يتجاوز ٣٠٠ فرد بالإضافة إلى كرو من فريق الشركة المنتجة بباريس. 

تواصل الأسطاوي حديثها: خلال قيام «عم جاد» أحد العاملين معنا بإنزال الصناديق الحديدية الخاصة بالمعدات والملابس وغيرها من العربات، سقطت عليه، حينها ذهبت مهرولة لرفعها وإنقاذه وأصبت بمزق شديد في ثلاث فقرات في عمودي الفقري   ولم يكن هناك مستشفيات في ذلك الوقت باستثناء مستشفى بسيطة أعطتني حقن مسكنة، وقام زملائي بلف ظهري بثوب من قماش الدمور كأنه حزام ضاغط لحماية عمودي الفقري.

لم يكن لدي رفاهية الاعتذار، وكنت مسئولة عن  ٥ الآف شخص من المجاميع يرتدون ملابس تاريخية بخلاف الممثلين، ولا يوجد أحد غيري يستطيع أن يقوم بمهامي ويلف العمة تاريخي، كان لدي الآلام مبرحة وكنت أقاوم ذلك بالحقن المسكنة وبعد أن عرف الأستاذ يوسف شاهين بالواقعة حضر على الفور ومعه كرسي متحرك حتى أجلس وانفذ الشغل، حينها قولت له:  "انا معرفش أشتغل وأنا قاعدة على كرسي"، فصمم وقال لي:" هوقف الشغل واخليهم ينزلوا مصر" وبالفعل واصلت العمل على الكرسي. 

عليا الأسطاوي: يوسف شاهين كان يحترم العامل ويقدر وجوده

 وبالفعل خلصنا شغل في سيوة ثم عدنا القاهرة ووجدته ترك لي في مكتبه شخص يأخذني لطبيبه الخاص به، وبعد الكشف كانت حالتي تطلب مني ارتداء «حزام ظهر» كان وقتها لابد من تصنيعه، هنا اكتشفت أن شركة يوسف شاهين هي الوحيدة التي تقوم  بالتأمين على العمال وعلى العمل،  واكتشفت أنه مؤمن عليا ماديا واتعالجت على حساب الشركة.

تواصل الأسطاوي حديثها عن كواليس علاقتها الإنسانية ب «جو»، وتقول:  كان الأستاذ يتصل بي يوميا على تليفون المكتب، ويقول لي: «ايه يابت انتي.. عاملة ايه دلوقتي انتي معطلاني»، وطبعا هو يقول لي هذا الكلام حتى يشعرني بأهمية وجودي   فهو شخص حساس ويحب كل شخص مهما كانت مهنته، وكان يقول دائما:« مفيش حد ملوش لازمة في اللوكشن»، فنحن كنا نعمل مثل الكتيبة في كل تفاصيل التصوير، فعندما كنا نسافر نتحرك جميعا وراءه باعتباره القائد، ولا يوجد فكرة أن ممثل انتهى من تصوير مشاهده فيذهب ويترك اللوكشن ولكن يفضل موجود مع الكرو ويرجع معانا لأنه كان دائما يخاف على كل ممثل.

كيف أنقذ يوسف شاهين فريق عمل فيلم «المهاجر» في فيضان السيول؟ 

تروي عليا الأسطاوي معاناتهم خلال التصوير بفيلم «المهاجر» في شرم الشيخ في المهاجر، وتضيف: كنا مفروض ننزل على سانت كاترين  فجاءة السيول نزلت علينا وكانت شدتها بتاخد الجرانيت وينزل يكسر أسفلت الشارع، وكان دائما معانا دليل من العرب من أهل البلد  وحينها قال لنا هناخدها مشي من وادي فيران لحد الأوتيل عند الدير في سانت كاترين، لصعوبة حركة العربيات، وحينها تعهد العرب بتأمينهم للمعدات والعربيات التي تركناها، وجاء الأستاذ وتقدم الموكب، ووجدناه حينها يسير على الجبال من فوق وهي مكسرة وكلنا ماشيين وراه،  والمشي كان شديد الصعوبة خصوصا وأن السيل كان شغال بقوة، وخلال سيرنا بعد أن أخذنا الكاميرا معنا لأنها أكثر شىء يتخاف عليه، فوجئنا بالأستاذ ينادي على مدير التصوير رمسيس مرزوق، وقال له:" عايز أصور حتة السيل دي وهي بتجري في المجرى والسيل نازل" وهو مشهد موجود بالفيلم، وقعدنا ساعة ونص بنصور في السيل في المشهد ده والسيل نازل علينا، ثم واصلنا السير إلى الفندق.

وتواصل الأسطاوي حديثها: الوضع هناك كان شديد الصعوبة لأن الفندق كان به جزء غير مكتمل يوجد به أخشاب فقط، أما الحجرات الشاغرة فكانت تحتوي على مراتب فقط وقد غرقت بالمياه، كان الأستاذ يريد أن يطعم فريق العمل، وفي وقت السيول كان يتم غلق النفق وبالتالي لا يوجد  مؤن لدخولها لنا، فطلب من البدو العرب هناك يذبحون أغنام وقاموا بشويها، وقام هو بشد ألواح الخشب الموجودة وولع فيها النيران لتدفئة العاملين،  وكانت جملته على لسانه في هذه اللحظة «عايز أدفي عيالي هيموتوا من البرد»، وتتساءل الأسطاوي مردفة في حديثها « أين نجد هذه الإنسانية النادرة الآن؟» فلم تعد موجودة، الأستاذ لم يكن يشعرنا بفارق بينه وبيننا كان يمكن أن تجدي بجوار حجرته بالفندق،  غرفة معاون الخدمات،  وكان يسبقنا ويذهب باكرا إلى العمال المتواجدين بالاستراحة نظرا لضخامة أعدادنا والتي لم تستوعبها طاقة الفندق وذلك من أجل تناول طعام الإفطار معهم «فول وعدس».

ولم يكن لديه تفرقة بين عامل ونجم، فإذا كنا نسافر طيران فالجميع يكون على متن الطائرة، فجميعنا كان يذهب دائما للعمل معه دون أن يسأل عن أجره،  وجميعنا كان يتعاون في اللوكشن مع الآخر حتى إذا كان في غير تخصصه، معظمنا متجوز من الشركة، وكنا دائما وحدة واحدة في الأفراح والأحزان،  فقد تعلمنا معه هذه الروح الاستثنائية في العمل.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة