في أكثر من مناسبة، شدد الرئيس عبدالفتاح السيسي على أن «الربط بين مصر ودول الجوار ليس خيارًا، بل ضرورة إستراتيجية تفرضها متطلبات التنمية والاستقرار»، مؤكدًا أن «مصر ترى في مشروعات الربط الكهربائي والغاز والتكامل الإقليمي أساسًا لبناء مصالح مشتركة طويلة الأمد».
وفي خطاب آخر، أوضح أن «الطاقة يمكن أن تكون جسرًا للتعاون، لا أداة للصراع»، داعيًا إلى تحويل الجغرافيا من عبء تاريخي إلى مصدر قوة وتكامل.
وتأتي هذه الرؤية الرئاسية في سياق عملي، تجسد في تحركات مصرية نشطة خلال السنوات الأخيرة لتعزيز الربط مع محيطها العربي والشرق متوسطي. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، الاتفاقات الخاصة بنقل الغاز الطبيعي المصري إلى لبنان وسوريا، في إطار تنسيق إقليمي أعاد تفعيل خط الغاز العربي، وكرّس دور مصر كمصدر موثوق للطاقة وكحلقة وصل بين شرق المتوسط والمشرق العربي. كما شمل هذا المسار تفاهمات تقنية وسياسية مع كل من دمشق وبيروت، أكدت أن الطاقة يمكن أن تكون مدخلاً لإعادة بناء الثقة الإقليمية، حتى في بيئات سياسية معقدة.
في الماضي، كانت التحالفات تُبنى حول النفط والسلاح، وحول عدو مشترك أو خطر داهم. أما اليوم، فإن التحالفات تتشكل حول القدرة على إدارة التدفقات: تدفق الكهرباء، والبيانات، والطاقة النظيفة. الربط الكهربائي، مثلاً، لا يعني مجرد بيع وشراء، بل يعني أن انقطاع التيار في دولة ما قد تكون له ارتدادات فورية عبر الحدود. هنا يصبح الاستقرار مسألة مشتركة، لا يمكن احتكارها أو استخدامها كورقة ضغط دون ثمن.
ومن هذا المنطلق، لم يعد مفهوم «الشبكة» في الشرق الأوسط مجرد توصيف تقني للبنية التحتية، بل أصبح أحد أهم مفاتيح الفهم الجديدة للتحولات الجيوسياسية في الإقليم. فمشروعات الربط الكهربائي، وكابلات الطاقة والبيانات، ومنصات تصدير الهيدروجين الأخضر، لم تعد فقط أدوات للتنمية الاقتصادية، وإنما تحولت إلى مساحات فاعلة لإعادة صياغة التحالفات، وممارسة النفوذ، وإعادة تعريف السيادة. وفي هذا السياق، تبرز مصر كحالة دالة على صعود ما يمكن تسميته بـ"دبلوماسية الشبكات".
وفي هذا الإطار، تتمتع مصر بموقع جغرافي فريد يجعلها نقطة التقاء بين شبكات متعددة: عربية، وشرق متوسطية، وإفريقية، وأوروبية. فالربط الكهربائي مع السودان، والمشروع الإستراتيجي للربط مع السعودية، وخطط الربط مع اليونان وقبرص وإيطاليا، فضلاً عن دورها في شبكات الغاز والطاقة بشرق المتوسط، تضع مصر في قلب شبكة إقليمية آخذة في التشكل. وهذه الشبكة لا تقوم فقط على تبادل الموارد، بل على بناء اعتماد متبادل لحظي، تتداخل فيه المصالح التقنية مع الحسابات السياسية.
في العقود السابقة، كانت التحالفات الإقليمية تُبنى حول خطوط أنابيب النفط والغاز، أو في مواجهة تهديدات أمنية مشتركة. أما اليوم، فإن الشبكات الكهربائية والرقمية العابرة للحدود أصبحت هي المساحة التي تتشكل فيها المصالح طويلة الأمد. فالربط الكهربائي، على سبيل المثال، لا يخلق مجرد تبادل تجاري، بل يؤسس لاعتماد متبادل يجعل استقرار الشبكة في دولة ما مرتبطًا مباشرة باستقرار جيرانها. وهذا النمط يحد من قابلية استخدام الطاقة كسلاح سياسي، لكنه في الوقت ذاته يفرض مستويات أعلى من التنسيق السياسي والتقني.
بالنسبة لمصر، تمثل "دبلوماسية الشبكات" أداة لتعزيز الدور الإقليمي من خلال الوظيفة لا الأيديولوجيا. فالدولة التي تتحول إلى عقدة مركزية في شبكات الطاقة والاتصالات تكتسب قدرة تفاوضية مضاعفة، لأنها تصبح جزءًا لا يمكن تجاوزه في حسابات الاستقرار الإقليمي. وهنا، يقوم النفوذ الدولي والإقليمي على القدرة على ضمان استمرارية الشبكة وكفاءتها.
غير أن دبلوماسية الشبكات ليست طريقًا مفروشًا بالاستقرار وحده. فكل اعتماد متبادل يحمل في داخله بذور هشاشته. فالصراع لم يعد يدور فقط حول الأرض أو الموارد الطبيعية، بل انتقل إلى ما يمكن تسميته «عقل الشبكة». وهنا تثار أسئلة حساسة مثل من يضع المعايير؟ ومن يتحكم في أنظمة التشغيل؟ ومن يملك القدرة على التدخل التقني عند الأزمات؟ هنا تظهر أشكال جديدة من صراعات السيادة، صراعات صامتة لا تُرى على خرائط السياسة التقليدية، لكنها قد تكون أشد تأثيرًا. وبالتالي، يبرز خطر الانتقال من تبعية الموارد الطبيعية إلى تبعية التكنولوجيا، بما يحمله ذلك من مخاطر سيبرانية وأمنية.
ومن جهة أخرى، تتجلى معضلة "دبلوماسية الشبكات" أيضًا في التداخل المتزايد بين أمن الطاقة وأمن المياه. فمشروعات الهيدروجين الأخضر، التي تسعى مصر إلى أن تكون لاعبًا رئيسيًا فيها، تعتمد اعتمادًا كثيفًا على تحلية المياه. وفي إقليم يعاني من ندرة مائية بنيوية، يصبح الربط بين سياسات الطاقة والمياه قضية سيادية لا تقل أهمية عن إدارة الحدود.
وعلى المستوى الجغرافي السياسي، تعيد الشبكات رسم خريطة الأهمية الإستراتيجية. فإلى جانب الممرات البحرية التقليدية، مثل قناة السويس، تبرز مسارات الكابلات ومحطات التحويل ومراكز البيانات كعناصر جديدة في معادلة القوة. والدول التي تنجح في التحول إلى "عقد مركزية" لهذه الشبكات تضمن لنفسها موقعًا محوريًا في أي نظام إقليمي أو دولي قادم.
في الخلاصة، تكشف "دبلوماسية الشبكات" أن مصر تقف أمام فرصة إستراتيجية كبرى، تتمثل في إمكانية تحويل موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية إلى مصدر قوة جماعية واستقرار إقليمي. غير أن تحقيق ذلك يتطلب حوكمة رشيدة لهذه الشبكات، توازن بين متطلبات التكامل وحماية السيادة. ففي عصر الشبكات، يصبح الأمن القومي مرهونًا بالقدرة على الجمع بين الابتكار التقني، والوعي السيادي، والإدارة الذكية للاعتماد المتبادل.
* رئيس وحدة العلاقات الدولية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية