انقضى وولٌى إلى غير رجعة زمن التحالف المضمون بين الولايات المتحدة وحلفائها بالقارة الأوروبية، الممتد منذ قرابة 80 عامًا في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ولم تعد خلافات الجانبين حبيسة الغرف المغلقة، بل أضحت علنية وعلى مرأى ومسمع الجميع على الساحتين الدولية والإقليمية.
اليوم تقف أوروبا حائرة، وتحبس أنفاسها اللاهثة مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تضعها بين خيارين لا ثالث لهما: إما استرضاؤها بشتى السبل والرضوخ لها، أو مواجهتها. وفي الحالتين، هناك أثمان سيتعين دفعها، مما يجعل المفاضلة بينهما ليست يسيرة، ومحفوفة بمخاطر مهولة، ولا بد أن تحسب بدقة متناهية.
الآن، وحينما يفكر قادة أوروبا فيما عساهم يفعلونه مع ترامب ومطالبه واجبة التنفيذ وعدم الاعتراض عليها، فإنهم يرون أمام أعينهم سقوط أفكار وثوابت كانت من المسلمات في الماضي عند الحديث عن التحالف بين واشنطن والعواصم الأوروبية في الأدبيات السياسية العالمية، ومنها أنه يقوم على قيم مشتركة ومصالح متوازنة تخدم الطرفين؛ فهو لم يعد كذلك، وأصبح تحالفًا مشروطًا ومحكومًا بالقوة ومن يملكها أكثر تكون له الغلبة.
ونحن في غنى عن الاستدلال بشواهد وقرائن عديدة لمعرفة أن الرئيس الأمريكي لا يتعامل مع أوروبا في الآونة الأخيرة باعتبارها شريكًا، وإنما كطرف أضعف يمكن الضغط عليه اقتصاديًا بحدة لتلبية مصالح جيوسياسية يسعى إليها حثيثًا، ويتصدرها الاستحواذ على جزيرة "جرينلاند" التي تمثل، بالمنظور الأمريكي، أهمية إستراتيجية كبرى في القطب الشمالي. وبلغ الأمر بترامب أنه هدد بفرض رسوم جمركية على ثماني دول أوروبية بسبب موقفها غير المرضي، من وجهة نظره، حيال أزمة "جرينلاند"، ومن بين الثماني هناك ست دول أعضاء في حلف شمال الأطلنطي "الناتو".
وتوصل القادة الأوروبيون إلى أن سياساتهم السابقة الحاكمة لمسارات وشكل العلاقات الأمريكية الأوروبية كانت غير عملية وليست واقعية، وشابها العور، وأنهم يحصدون ثمارها السيئة حاليًا؛ فقد كانت تعتمد على تقديم تنازلات تجارية وتجنب التصعيد السياسي، والإغراق في مديح مفهوم الشراكة الرابط بينهما عبر المحيط الأطلنطي، وحلف "الناتو" الذي بات مهددًا، ويكتنف مستقبله الغموض الشديد.
بل إن صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، القريبة من دوائر صنع القرار، ذكرت قبل يومين، وبدون مواربة، أن "الناتو" يقترب من نهايته، وكأنها تقول إن شهادة الحلف قد صدرت بالفعل، والكل ينتظر تشييع جنازته إلى مثواه الأخير بين دفات كتب التاريخ.
وفي لحظتها الفارقة تلك تفكر أوروبا في مستقبل علاقتها الحميمة مع العم سام، وكيف ستكون، وعلى أي أساس سوف ترتكز؟ ويجد الأوروبيون أنفسهم بين نارين: الأولى الرضوخ للرغبة الأمريكية الخاصة بوضع يدها على "جرينلاند"، وإن فضلت واستحسنت هذا الخيار الصعب، فإنها ستكون أمام ثلاث كوارث، هي:
- تقويض، إن لم يكن انهيار، مفهوم السيادة داخل الاتحاد الأوروبي.
- فقدان مصداقية ومشروعية أوروبا في الدفاع عن أوكرانيا، التي ساندتها بقوة عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا خلال السنوات المنصرمة، بصفتها قضية حيوية لن يتخلوا عنها تحت أي ظرف من الظروف.
- إيصال رسالة للصين وروسيا مفادها أن القارة العجوز قابلة للضغط والابتزاز.
أما النار الثانية فهي رفع راية العصيان والتمرد في وجه أمريكا بكل ما لدى الأوروبيين من قوة اقتصادية وسياسية وعلمية.. إلخ، وكتابة صفحة جديدة في العلاقات الأمريكية الأوروبية، عمادها الندية وليس التبعية، وربما يقود ذلك إلى إطلاق رصاصة الرحمة على "الناتو" والتعاون العسكري والسياسي الوثيق لدى نشوب أزمات دولية تهدد السلم والأمن الدوليين.
وعلى المستوى الاقتصادي، فإن أوروبا مالكة لمقومات اقتصادية ومالية تمكنها من إزعاج واشنطن، ومنها، على سبيل المثال وليس الحصر، أداة "مكافحة الإكراه"، لكن هل تتوافر الإرادة الكافية بدولها لاستخدامها؟ فهي تملك السلاح الفتاك غير أنها تخشى إطلاقه.
وهذه مسألة محيرة؛ فمن يتابع ردود الأفعال الأوروبية على التهديدات الأمريكية الصريحة يشعر بأن الأوروبيين غير مستعدين، ولا مؤهلين بعد للاستغناء عن علاقاتهم الوطيدة مع الولايات المتحدة، خصوصًا على الصعيد العسكري، أو قل لإعادة صياغتها بصورة لا تجعلهم الطرف الأضعف والأدنى في المعادلة، والذي يسهل لي ذراعه.
إن أوروبا تعيش أوقاتًا عصيبة، وتقف على مفترق طرق وسيكون عليها تحديد أي المسارات ستسلك، وهل سوف تستطيع المواءمة ما بين ضغوط الرأي العام الداخلي، وتلك التي تمارسها وتتمسك بها وتلح عليها إدارة ترامب، وعليها أن تختار ما بين الرضوخ أو المواجهة.