قال لي الأستاذ نجيب محفوظ، قبل حصوله على نوبل بحوالي سنتين في حوار نشرته في جريدة "الرياض" السعودية: "أنا نجيب محظوظ".. وكنت أحدثه عن رأي أدباء كبار، في اهتمام النقاد بأدبه، والانصراف عن مبدعين كثيرين آخرين. وشاركت مع أساتذتي في دار الهلال ندوة عقب فوزه بنوبل بنحو ثلاثة أيام، وأدارها رئيس تحرير مجلة "المصور" الأستاذ مكرم محمد أحمد، قال في بدايتها: شعرت بأنني محظوظ، وبأن فوزي بالجائزة جزء من الحظ لا شك فيه..
وقد جاء حديث الحظ على لسان كثيرين ممن حاورتهم.. أتذكر الآن الأديب إبراهيم أصلان في حوار نشرته في مجلة "الوسط" اللندنية: كنت من أكثر أبناء جيلي حظًا، وليس عندي تفسير، هو نوع من الحظ أرجو أن يستمر..
كذلك د. رتيبة الحفني أول رئيس لدار الأوبرا المصرية الجديدة أيضًا، في حوار نشرته في "الوسط": الحظ كان دائمًا بجانبي.. وكان الشاعر عبدالرحمن الأبنودي قال لي في حوار نشرته في "الحياة" اللندنية: أنا محبوب من أمتي، والحظ صناعة يدوية – جهد ومجاهدة – لقد انتميت للأمة ونلت شرف التصديق والمباركة.. نعم أنا محظوظ.
ربما اقترب الأبنودي بأصالته وفصاحته وشعبيته واهتمامه بالمعنى، من مسألة الحظ، لما اعتبرها صناعة. نعم إن الحظ جيده وسيئه، قدر كتبه الله سبحانه وتعالى، لكنه كما قال شاعرنا جهد ومجاهدة.
لأنني لم أستقبل بأي نوع من السذاجة، ما زعمه نجيب محفوظ، بحكاية حظه. فأي حظ مع كاتب في دأب محفوظ، وترتيبه الصارم لحياته، وعدم تركه أموره للمصادفة والعشوائية. لقد كان لدى نجيب محفوظ، استعداد شخصي، لأن يكون فاعلًا ومؤثرًا في المجتمع. ولم يختر له أحد دراسة الفلسفة في الجامعة في ثلاثينيات القرن الماضي، والكل يتجه إلى الحقوق والطب وغيرهما. ولا في اتخاذ قرار التحول الحاسم إلى صنعة الأدب، ليتابع التاريخ الفرعوني الذي انفتحت صفحاته على التاريخ المجيد للفراعنة، وتفتح وعيه على بداية عصر الاكتشافات الأثرية المذهلة في النصف الأول من القرن الماضي، ثم قراره الخاص بترك الحالة الفرعونية بعد ثلاث روايات، وبدلًا من الإسقاط والرمز، ليكون في وسط الحراك السياسي والاجتماعي والثقافي، من خلال رواياته الواقعية.
وأتذكر من أحاديثه المتنوعة التي أجريتها معه، وتصميمه على تقسيم وضبط الوقت، حتى لا يتسرب من بين أصابعه، وحتى يحافظ على مشروعه الأدبي والثقافي، وفي الوقت نفسه، ألا ينعزل بعيدًا عن الناس، والاندماج بينهم، وخصوصًا ارتباطه بوظيفته الحكومية وأصدقاء المقاهي، والفنادق فيما بعد، بعد أن بلغ من العمر عتيًا.
فالناس عند محفوظ، شخصية الدورة الحالية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، هم الموضوع والقماشة والهدف. حتى عندما كان يرحب بالتفاعل مع بيانات الرفض والاحتجاج، وغالبًا ما يكون أول الموقعين، فهو في إطار مشروعه نحو الحرية والديمقراطية. ورغم خلافاته الأدبية مع د. لويس عوض، فهو كتب مذكرة الدفاع عنه، والتي قدمها محاميه أحمد شوقي الخطيب، مع أوراق أخرى، كان أنصعها ما كتبه محفوظ.
وأتذكر ربما حتى اندفاعه في تسجيل اعتراضه بالتوقيع أحيانًا، والكتابة الصريحة بخط يده. وكثيرًا ما وقع بيانات تضامن مع وزير الثقافة السابق فاروق حسني، من دون أن تربطه أي علاقة مباشرة به. وكان حسني أكثر وزير في مصر يتلقى طلبات استجواب من مجلس الشعب في دورات عدة. مرة بسبب رواية "حيدر حيدر"، و"وليمة لأعشاب البحر"، مرة ثانية بسبب صورة للوحة نشرتها مجلة "إبداع" التي يترأس تحريرها آنذاك الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي، للفنان النمساوي جوستاف كليمت، ووصفها نائب بالخلاعة والإساءة إلى الأخلاق العامة، لدرجة أن طالب زميلاته النائبات بالخروج من القاعة. واستنكر محفوظ والذين معه الاستجواب... وغير ذلك كثير.
وربما يرى الشارع الثقافي الآن أن فترة حسني في الوزارة واحدة من أفضل الفترات، لكن لم يتذكر كثيرون أنه لولا دفع المثقفين المصريين له، ودفاعهم المستميت عنه، رغم خلافات كثيرين معه، لما حقق نجاحًا يذكر.
وكان الحظ مواتيًا لفاروق حسني أيضًا، لأنه عمل ملحقًا ثقافيًا مع د. عاطف صدقي في باريس، وتصادقا، واختاره بإصرار وزيرًا للثقافة. لكن حسني الذي حاورته كثيرًا، في إيطاليا عندما كان مديرًا للأكاديمية المصرية في روما، ثم بعد أن تولى حقيبة الوزارة، فهو أيضًا كان مخططًا لنفسه، ولديه أحلامه، ومشروعه، واستعداده الشخصي.
وأعود للدكتورة رتيبة الحفني، أو بطلة "الأرملة الطروب" التي اختارها الرئيس جمال عبدالناصر بنفسه، لدور البطولة، فقد كان لديها الحظ، لكن كان لديها الشجاعة، والإصرار، ودرست الموسيقى، وأزاحت كل شيء من طريقها، لتصبح ما كانت عليه، واستغلت، أو لنقل التقطت، كل الفرص، ولم تتوقف يومًا عن الحلم، وعن تطوير الذات والإمكانات.
الحظ ليس قوة سلبية مريحة، أو ضمانًا لأي شيء، ويمكن إبطال مفعوله، لكنه درس عميق للوعي والإيمان. أنهي بما له علاقة بكرة القدم، والنجم المصري محمد صلاح، الذي تحدث مرة في أحد البرامج، عن اشتغاله على نفسه، وهذا بالقطع، ليس انتظارًا للحظ، إنما لمشيئة الله.