كيف تغيرت مؤشرات الجريمة في مصر؟

26-1-2026 | 11:22

في عالم اعتاد التشكيك أكثر من الاعتراف، تصبح الأرقام الموثقة أخطر من أي خطاب سياسي. وما عرضه المركز الإعلامي لمجلس الوزراء عن تحول مصر من واحدة من أعلى الدول في معدلات الجريمة إلى واحدة من أكثرها أمانًا خلال عشر سنوات، ليس مجرد مادة إعلامية، بل وثيقة إدانة سياسية لكل من راهن على سقوط الدولة أو راهن على الفوضى كبديل للحكم.

المفارقة أن التحسن لم يأت وفق الرواية الرسمية فقط، بل بشهادة مؤشرات دولية مستقلة، صادرة عن معهد الاقتصاد والسلام. إن تقدم مصر 93 مركزًا في مؤشر الجريمة العنيفة، و111 مركزًا في مؤشر تصورات الجريمة داخل المجتمع، ليس تفصيلًا فنياً، بل تحول سياسي بامتياز؛ لأنه ببساطة يعني أن الدولة التي قيل إنها فقدت السيطرة، استعادت الشارع، وفرضت القانون، وكسرت الحلقة المفرغة التي تربط بين الفوضى وادعاءات الحرية.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: لو كانت القبضة الأمنية وحدها كافية، لماذا لم يتحقق هذا الانخفاض من قبل؟ الإجابة واضحة؛ لأن ما جرى لم يكن أمنًا تقليديًا، بل إعادة بناء شاملة لفكرة الدولة، حيث تلازم الأمن مع التنمية، وترافق الردع مع الخدمات، وتقدمت مؤسسات الدولة على حساب الميليشيات والفوضى المقنعة بشعارات سياسية.

اللافت أن مصر لم تتحسن فقط في معدلات الجرائم المسجلة، بل في إحساس الناس بالأمان، وهو المؤشر الأخطر سياسيًا؛ فالشعوب لا تُقاس ولاءاتها بما يُقال في المؤتمرات، بل بما تشعر به في الشارع بعد منتصف الليل. 

وعندما تتقدم مصر إلى المركز الـ 32 عالميًا في هذا المؤشر، بعد أن كانت في ذيل القائمة عام 2014، فهذا يعني أن الدولة استعادت ثقة مواطنيها قبل أن تطلب ثقة الخارج. 

ولعل إشادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بانخفاض معدلات الجريمة في مصر مقارنة بالولايات المتحدة، تكشف جانبًا آخر من المشهد: هو أن الدولة التي كانت تُقدَّم لسنوات كنموذج للفشل الأمني، باتت اليوم مثالًا يُستشهد به، حتى من قِبل قوى كبرى. ما حققته مصر خلال عشر سنوات لا يعني نهاية الطريق، لكنه يثبت أن الرهان على الدولة كان الرهان الصحيح، وأن كلفة استعادة الاستقرار مهما بدت باهظة فهي أقل بكثير من ثمن انهيار الدولة.

كلمات البحث
الأكثر قراءة