في مشهد بات مألوفًا في شوارعنا وأمام مراكز الدروس الخصوصية وعلى المقاهي، ينفث شاب سحابة كثيفة من بخار السيجارة الإلكترونية "الفيب" بكل ثقة وهدوء، وكأن ما في يده أداة للتباهي لا وسيلة استنشاق لمواد كيميائية خطرة. في خلال سنوات قليلة فقط، انتقلت السجائر الإلكترونية من كونها بديلًا يتم تسويقه للإقلاع عن التدخين إلى رمز اجتماعي مقبول، بل ومحبب، خصوصًا بين فئة الشباب.
غير أن هذا القبول الواسع يتناقض تمامًا مع حقيقة طبية مقلقة تؤكدها الدراسات العلمية، وهى أن الفيب ليس آمنًا، وقد يكون من أخطر ما واجه صحة الأجيال الحديثة.
علميًا، لا يمكن اعتبار بخار الفيب مجرد بخار ماء، إذ أثبتت الأبحاث العلمية أنه يحتوي على خليط معقد من النيكوتين ومواد كيميائية ونكهات صناعية، إضافة إلى معادن ثقيلة مثل الرصاص والنيكل. هذه المواد عند استنشاقها بشكل متكرر تُحدث تهيجًا والتهابًا مزمنًا في الجهاز التنفسي، وترفع معدلات الإصابة بالربو وأمراض الرئة المزمنة، وتُسبب ضيقًا في التنفس قد يظهر حتى مع أقل مجهود.
الأخطر أن بعض النكهات تحتوي على مواد مثل ثنائي الأسيتيل، المرتبط علميًا بحدوث مرض رئوي خطير ومزمن، يصيب الممرات الهوائية الدقيقة في الرئة ويؤدي إلى تلفها بشكل دائم ولا يمكن علاجها بشكل جذري، وهي حالة تُعرف باسم Popcorn Lung، ويسمى بهذا الاسم بعدما لوحِظ انتشاره بين عمال مصانع الفشار الجاهز Popcorn الذين كانوا يتعرضون لاستنشاق مادة كيميائية تسمى ثنائي الأسيتيل، وهي مادة تستخدم لإعطاء نكهة الزبدة، وتوجد أيضًا في بعض نكهات السجائر الإلكترونية.
كما رصدت الأبحاث العلمية حالات خطيرة تُعرف بإصابة الرئة المرتبطة بالسجائر الإلكترونية، وهي حالات قد تبدأ بأعراض بسيطة مثل السعال وألم الصدر، ثم تتطور سريعًا إلى فشل تنفسي حاد قد يكون قاتلًا. وإلى جانب الرئة، يشكل النيكوتين خطرًا مباشرًا على القلب والأوعية الدموية، إذ يرفع ضغط الدم، ويزيد من سرعة ضربات القلب، وضيق الشرايين، ما يزيد من احتمالات الجلطات، نزيف المخ، والسكتات الدماغية، خاصة لدى فئة الشباب التي لا يزال الجهاز العصبي لديها في طور النمو.
دراسات حديثة تؤكد أن تأثير الفيب لا يتوقف عند الجانب العضوي فقط، بل يمتد إلى الصحة النفسية والعصبية، حيث لوحظ ارتباطه بضعف الذاكرة، قلة التركيز، وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب نتيجة نقص تدفق الدم إلى المخ. كما أظهرت أبحاث أخرى أن التعرض المزمن لمكونات الفيب قد يؤدي إلى انخفاض هرمون التستوستيرون "هرمون الذكورة الرئيسي" واضطرابات في الخصوبة وتشوهات في السائل المنوي.
وتزداد الخطورة بشكل كبير عند الجمع بين السجائر الإلكترونية والتقليدية، إذ ترتفع احتمالات الإصابة بسرطان الرئة عدة أضعاف مقارنة باستخدام أحدهما فقط.
لذلك حظرت دول عديدة السجائر الإلكترونية أو فرضت عليها قيودًا صارمة بعد ثبوت مخاطرها الصحية، خاصة على الشباب؛ فهناك دول مثل الهند وسنغافورة وتايلاند والبرازيل والمكسيك وقطر وتايوان أقرت حظرًا شاملًا على تصنيع وبيع واستيراد الفيب، ودول ًا أخرى فرضت عليه تشريعات شديدة ومنعت بيعه للشباب والقُصر، مثل أستراليا والاتحاد الأوروبي وأمريكا.
وقد أعادت وفاة شابة مصرية هذه الأيام، بعد إصابتها بتجمع سوائل على الرئة إثر استخدام الفيب، تسليط الضوء على هذه المخاطر التي طالما جرى التقليل منها. هذه الواقعة ليست مجرد قصة حزينة، بل إنذار صارخ لعواقب الاستهانة بالصحة تحت وهم الأمان، ما يستدعي حظر الفيب أو وضع ضوابط لاستعماله..
خلاصة القول، إن الفيب ليس موضة عابرة ولا تجربة بلا ثمن، بل خطر حقيقي قد يترك أضرارًا دائمة أو ينهي حياة في مقتبل العمر، وثمن الصمت أو التساهل حيال هذه الكارثة قد يكون نفسًا لا يعود، وروحًا تُزهق قبل أوانها.