لا أكتمكم سرًّا إذا قلت إنني، منذ ما يقرب من ثلاثين عامًا، وأنا أحلم بيوم أتوقف فيه عن متابعة الأخبار اليومية بكل أشكالها. نعم، ثلاثين عامًا من هذا العبث اليومي: صحف، إذاعات، قنوات تليفزيون، ثم مواقع إلكترونية وتطبيقات لا تنتهي. حلمي كان بسيطًا: هدنة. استراحة من هذا السيل الجارف من الكوارث والفضائح والمآسي التي تقدم لنا وكأنها وجبة الإفطار لا بد منها.
كنا في الماضي نسمع عن كارثة هنا أو هناك، فنهتز أيامًا وأسابيع. أما الآن، فالكوارث تقدم في باقة يومية، كأنها سلعة معتادة، فتفقد روعتها وفظاعتها، ولا يبقى لنا إلا شعور غامض بالضجر والخدر. ولكن العجيب أنني كلما حاولت تنفيذ حلمي هذا والانفصال عن هذا العالم الافتراضي للأخبار، سرعان ما أعود أدراجي، لا بِكليتي، بل مجرورًا. كيف ذلك؟ يحدث دائمًا أن يصادفني صديق أو جار، فيقول في لهجة العارف المطلع: طبعًا سمعت بما جرى في العراق البارحة؟ مذبحة رهيبة! فأشعر فجأة بأنني غريب، جاهل، خارج السرب. وأشعر بغصة في قلبي: كيف لم أعلم؟ أين كنت؟ وكأن علمي بالحادث جزء من واجبي الإنساني، وجهلي به خيانة للضحايا.
وهنا يأتي الدور على الوهم الذي أريد أن أتحدث عنه. لقد بدأت ألاحظ على نفسي ظاهرة غريبة. لاحظت أنني، في فترات انقطاعي عن الأخبار، أصاب بنوع من القلق المختلف. قلق أشبه بذلك الذي يصيب الأم التي تترك طفلها للمرة الأولى في الحضانة. قلق من المجهول، نعم، ولكنه مختلط بشعور بالذنب! وكأن متابعتي للأخبار هي نوع من الرقابة أو الحراسة على العالم، تحول دون انفلات الأمور أكثر مما هي منفلتة! وكأن إغماض عيني عن الشاشة هو إشارة البدء لكل شر في الأرض! هل هذا معقول؟ طبعًا لا. فهو وهم من أوهام العصر الحديث. لكن لماذا نقع في هذا الوهم؟ السبب في رأيي يعود إلى طبيعة هذا العصر نفسه. عصر جعل من المعلومة سلعة ثمينة، وجعل من الجهل بها عارًا. نحن نعيش في زمن يقدس الاتصال والمواكبة، حتى لو كان هذا الاتصال سطحيًّا، وحتى لو كانت هذه المواكبة مرهقة للروح والعقل.
لقد صدقنا أننا بفضل هذا الكم الهائل من المعلومات، صرنا أكثر قدرة على الفهم والسيطرة. ولكن الحقيقة التي نعرفها في قرارة أنفسنا هي أننا أمام هذا السيل أصبحنا أكثر عجزًا. عجزًا عن الفعل، وعجزًا حتى عن المشاعر الحقيقية. لقد حولنا الكم إلى عدو للنوعية، حتى في تعاطفنا مع المآسي. خذ مثالاً ما يحدث في السودان أو الصومال أو فلسطين. كم من خبر قرأناه؟ كم من صورة رأيناها؟ ثم ماذا فعلنا بعد ذلك غير لحظة تأثر عابرة، أو منشور على "فيسبوك"، ثم نمضي في حياتنا؟ هذا الفيض من المعلومات لا يزيدنا إلا شعورًا بالعجز، فيدفعنا لا شعوريًّا إلى تبني أوهام تعوض عن هذا العجز، مثل وهم أن مجرد معرفتنا بالحدث تحول دون تفاقمه!
إنه هروب من مواجهة حقيقة عجزنا إلى وهم القوة. وهنا أتساءل: هل كانت حياة أجدادنا، الذين كانوا يسمعون بالحادث الكبير بعد أيام أو أسابيع من وقوعه، أقل إنسانيةً من حياتنا؟ ألم يكن تعاطفهم، رغم تأخره الزمني، أعمق وأكثر صدقًا؟ ألم يكن فعلهم إذا أرادوا، أكثر فاعلية لأنهم أُعطوا وقتًا للتفكير قبل رد الفعل؟ نحن نعيش في زمن ردود الأفعال السريعة، زمن "اللايك" و"الشير"، حيث يختلط الحابل بالنابل، وتصبح القضية الإنسانية الجادة في مستوى واحد مع أحدث صيحات الأزياء أو مشاجرة فنانين. فماذا إذن؟ هل أدعو إلى الجهل والتجاهل؟ كلا.
ولكنني أدعو إلى ترشيد العلاقة مع الخبر. إلى استعادة المسافة النقدية. إلى التوقف عن التعامل مع الأخبار كمواد استهلاكية سريعة نتلقفها بنهم، ثم نلقي بأعبائها النفسية في سلة المهملات العاطفية. أدعو إلى أن نختار مصادرنا بعناية، وأن نعمق قراءتنا لقضية معينة بدلاً من القفز من مأساة إلى أخرى، وأن نتساءل دائمًا ما دوري بعد هذه المعرفة؟ هل وقفت عند حدِّ الانفعال العابر، أم يمكن أن أتحول إلى فعل مفيد، ولو كان صغيرًا؟ الهدنة التي كنت أتمناها ليست في الهروب من المعرفة، بل في التحرر من استعباد المواكبة السطحية. في أن أعطي عقلي وقلبي وقتًا كافيًا ليهضم ما يراه ويسمعه، لا أن يكون مجرد ترانزيت للمآسي. في أن أتحول من متلقٍ سلبي لقصف المعلومات، إلى قارئ ناقد، وإنسان فاعل بقدر استطاعته. التحدي الحقيقي في عصر المعلومات هذا ليس في جمع المزيد منها، بل في الغربلة والفرز. ليس في سرعة الوصول إلى الخبر، لكن في عمق التأثر به واستخلاص العبرة منه. ليس في أن نعرف كل شيء، إنما في أن نفهم بعض الأشياء فهمًا حقيقيًّا يحرك الضمير ويستفز الإرادة نحو الخير.
كان أجدادنا يسمعون عن مصيبة بعد زمن، فيجتمعون لها، ويتألمون لها بصدق، وربما يبحثون عن وسيلة للمساعدة. ونحن نسمع عن عشر مصائب في اليوم، فتمر علينا كالأحلام، لا تترك في نفوسنا إلا وهم المعرفة، وثقلًا من القلق العقيم، ووهم السيطرة على شرور العالم بمجرد متابعة أخبارها. حان الوقت لكسر هذا الوهم. فلنقلل من الكم، ولنعظم من النوع. فلنوقف هذا القلق الذي لا طائل تحته، ولنستبدله باهتمام هادئ عميق. فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من المشاهدين القلقين على هامش الأحداث، بل إلى قلة من الفاهمين العاملين في صميمها.