قلّما يصدر كتابٌ جديد في حقل المعرفة، ولا سيّما في ميادين التاريخ والفكر، إلا ويغدو موضع نظر النقّاد، وميدان فحص الباحثين، فإن كان رصين المحتوى، عميق الرؤية، محكم الصياغة، عُدَّ مكسبًا ثقافيًا نفيسًا، وجديرًا بأن يحتل مكانه اللائق في رفوف المكتبات، وأن يكون ملاذًا للعقل، وموردًا للفكر، ينهل منه دون كلفة أو عناء.
موضوعات مقترحة
ومن هذا المنطلق، جاءت القراءة للكتاب الذي بين أيدينا قراءةً ماتعة، وهو يحمل عنوان «ابن خلدون.. رجل الفكر والسياسة»، لما انطوى عليه من جهد علمي واضح، وثقافة موسوعيّة رفيعة، ومنهج تحليلي رصين، خطّه بعناية واقتدار كلٌّ من الدكتور سليمان عباس البياضي، والدكتور إسلام إسماعيل أبو زيد، فكان عملهما شاهدًا على وعي عميق بقيمة النص الخلدوني، وإدراكًا صائبًا لأبعاده الفكرية والتاريخية.
ويُعدّ كتاب "العِبَر وديوان المبتدأ والخبر في أيّام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر"، ولا سيّما مقدمته، من أعظم المصنفات التي شكّلت معينًا فكريًا لا ينضب للباحثين والمؤرخين منذ ظهوره في القرن الرابع عشر الميلادي؛ إذ تجاوز حدود التأريخ التقليدي ليغدو خزانة جامعة لمعارف شتّى، امتزج فيها التاريخ بالاجتماع، والاقتصاد بالسياسة، والجغرافيا بالعمران، في رؤية شمولية نادرة.
لقد أهدى ابن خلدون الإنسانية من خلال هذا السفر الجليل تفسيرًا عميقًا لنشأة المجتمعات البشرية، وكشف عن السنن التي تحكم تطوّرها عبر أطوارها المختلفة من الميلاد إلى النضج فالشيخوخة، مبدعًا في تشخيص الظواهر الاجتماعية، واستقصاء عللها، ساعيًا إلى استنباط القوانين الكلية التي تحكم حركة العمران البشري. وهي قوانين متى أُحسن فهمها، واستوعب الباحث تفاعلها مع البيئات المختلفة، أمكن استشراف مآلات المجتمعات، وتجنّب كثير من العثرات التي تعترض مسيرتها.
وبهذ المنهج المتقدّم، مهّد ابن خلدون في هذه الذروة العلمية الطريق لعلم الاجتماع، مؤسسًا له على قواعد الملاحظة والتحليل والاستقراء، بعيدًا عن الوعظ الخطابي والتنظير السطحي والمناظرات الشكلية، فسبق عصره بقرون، وارتقى بالفكر الإنساني إلى آفاق غير مسبوقة.
وإذا كان ما يثير الدهشة والإعجاب في «المقدمة» كثرةُ القضايا التي تناولتها، فإن أظهر خصائصها أنها عمل موسوعي جامع، يستمد من كل علمٍ بطرف، ثم يعالجه ضمن رؤية كلية، تقوم على جدلية التفاعل المستمر بين الإنسان وبيئته، وما ينشأ عن ذلك من أنماط سلوك ونظم اجتماعية.
ومن هنا يمكن الجزم، بثقة علمية راسخة، بأن ابن خلدون، بما امتلكه من عقل موسوعي نافذ، قد تبوّأ منزلة سامقة بين أعلام الفكر الإنساني الخالدين. كما أن استمرارية تأثيره عبر العصور جعلته مصدر إلهامٍ متجدّد للفلاسفة والمؤرخين وعلماء الاجتماع، الأمر الذي يوجب الإنصاف في الحكم عليه، والاعتراف بفرادة مشروعه العلمي.
وفي هذا السياق، يأتي هذا الكتاب الذي قدّمه الدكتور سليمان عباس البياضي، والدكتور إسلام إسماعيل أبو زيد – عضوا اتحاد المؤرخين العرب والجمعية المصرية التاريخية – إضافةً علميةً معتبرة، بما بذلاه من جهد، وسخّراه من علم واسع، ووقت ثمين، وخبرة راسخة، ليكون عملهما قيمة مضافة إلى ما كُتب حول مقدمة ابن خلدون، وإسهامًا جادًا في خدمة الدراسات الخلدونية المعاصرة.