في السياسة الدولية، كثيرًا ما يُختزل السؤال في القدرة: هل تستطيع الدولة أن تفعل؟ هل تملك القوة العسكرية، والهيمنة الاقتصادية، والتفوق التكنولوجي الذي يتيح لها فرض إرادتها؟
لكن هذا السؤال -رغم وجاهته- ناقص بطبيعته. فالتاريخ مليء بدول قدرت على الغزو، ولم تقدر على تحمل تبعاته. وهنا تحديدًا يصبح السؤال الأهم: هل تكسب أم تخسر على المدى المتوسط والطويل؟
يذكر محمد حسنين هيكل أنه زار العراق بعد غزو الكويت عام 1990، وكان أول سؤال له للقيادة العراقية: «كيف حسبتوها؟ وهل تقدرون؟». وفي كتابه «أوهام القوة والنصر»، رأى هيكل أن العراق، رغم امتلاكه القدرة على الغزو آنذاك، لم يكن يملك القدرة على تحقيق المكسب.
اليوم، يعود السؤال نفسه بصيغة أكثر إلحاحًا: حتى إذا وضعنا القانون الدولي والخطاب الأخلاقي جانبًا، هل تكسب الولايات المتحدة من غزو فنزويلا؟ وهل تكسب من الاستحواذ على جرينلاند بالقوة؟
التاريخ يخبرنا أن القوة الأمريكية الصلبة وحدها ليست كافية لضمان المكاسب. بل كثيرًا ما تتحول إلى عبء طويل الأمد، يستهلك الموارد ويقوض النفوذ بدل أن يعززه. ولعل أبرز مثالين في العصر الحديث هما غزو العراق وأفغانستان في عهد جورج بوش الابن.
أزمة الثقة: الكلفة غير المرئية
أولى الخسائر المؤكدة هي تآكل الثقة. فحين تتصرف الولايات المتحدة بمنطق “الاستحواذ” و”فرض الأمر الواقع”، فإنها تزرع الشك حتى لدى أقرب حلفائها.
شاهدنا في الأيام الأخيرة ابتعاد كندا عن الولايات المتحدة، وتعميق شراكاتها الاقتصادية مع الصين، كما لاحظنا تحركات أوروبية نحو مزيد من التكتل التجاري والاقتصادي والعسكري بعيدًا عن واشنطن. وهي تحولات، إن تراكمت، قد ينتج عنها قوة عظمى بلا أصدقاء، ويفتح الباب أمام حروب تجارية لا يبدو أن الاقتصاد الأمريكي سيكون الرابح فيها.
فنزويلا: النفط ليس جائزة سهلة
في حالة فنزويلا تحديدًا، ففكرة “الاستحواذ على النفط” تبدو أبسط بكثير على الورق منها في الواقع. فكما أشار رئيس إكسون موبيل، في مؤتمر صحفي وأمام الرئيس الأمريكي نفسه، فإن ضخ استثمارات ضخمة في بيئة سياسية وقانونية غير مستقرة ليس قرارًا عقلانيًا.
فالنفط الفنزويلي ثقيل، والبنية التحتية متهالكة، والاستثمار يتطلب مئات المليارات من الدولارات، مع أرباح ستكون مؤجلة لسنوات طويلة. أي أن السيطرة العسكرية، في ظل غياب الاستقرار السياسي، لا تعني بالضرورة السيطرة الاقتصادية، بل قد تتحول إلى التزام مكلف بلا عائد واضح.
جرينلاند: الجغرافيا لا تكفي
الأمر نفسه ينطبق على جرينلاند. فالموقع الجغرافي والموارد المحتملة لا تتحول تلقائيًا إلى مكاسب إستراتيجية. والسيطرة القسرية على إقليم يتمتع بحكم ذاتي، وترتبط سيادته بدولة حليفة، تفتح بابًا واسعًا للتوترات السياسية والقانونية، دون ضمان عائد يتناسب مع الكلفة الدبلوماسية.
من دولة قيم… إلى دولة قوة فقط؟
ربما تكون الكلفة الأخطر هي السمعة الدولية. فحين تنتقل الولايات المتحدة من دولة تسوق نفسها بوصفها حامية للقيم وحقوق الإنسان، إلى دولة تتجاهل تمامًا هذه القيم أو تكسرها، فإنها تفقد أحد أهم مصادر قوتها: القوة الناعمة.
والقوة الناعمة ليست ترفًا أخلاقيًا، بل أصلًا إستراتيجيًا بالغ الأهمية. تآكلها لا يظهر فورًا، لكنه يضعف القدرة على القيادة، وبناء التحالفات، وفرض الأجندات.
الخلاصة: القدرة لا تكفي
السؤال الحقيقي إذن ليس: هل تقدر الولايات المتحدة على غزو فنزويلا أو الاستحواذ على جرينلاند؟
بل: هل تكسب؟
والتاريخ يقول إن القدرة على الفعل لا تساوي القدرة على تحمل نتائجه. وفي عالم شديد التعقيد، قد تكون كلفة “الانتصار” أعلى بكثير من عوائده.