في إطار الإصدارات التاريخية الجديدة، صدر حديثًا عن دار إشراقة للنشر والتوزيع كتاب «الإمام الطرطوشي: من ضفاف الأندلس إلى شواطئ الإسكندرية»، والذي يشهد هذا العام أول ظهور له ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، مقدمًا قراءة معاصرة في سيرة أحد أبرز علماء الأندلس الذين امتد أثرهم إلى المشرق الإسلامي.
لم تكن الأندلس يومًا مجرد إقليم جغرافي بعيد، بل كانت فضاءً حضاريًا نابضًا بالعلم والفكر والثقافة، وفي الوقت ذاته مسرحًا لتحولات كبرى كشفت عن أسباب نهوض الأمم وتراجعها.
ومن رحم هذا الواقع التاريخي المعقد، برزت شخصيات تجاوز أثرها حدود الزمان والمكان، وفي مقدمتها الإمام أبو بكر الطرطوشي، صاحب كتاب «سرتج الملوك»، المتوفى عام (451 - 520هـ = 1059 - 1126م).
يسعى الكتاب إلى إعادة تقديم الطرطوشي، لا باعتباره اسمًا تقليديًا في كتب التراجم، بل بوصفه شخصية فكرية فاعلة عاشت في زمن مضطرب، وواجهت تحديات سياسية واجتماعية جسيمة. وُلد الطرطوشي في مدينة طرطوشة بالأندلس، في مرحلة دقيقة من تاريخها، ثم سلك طريق العلم، وارتحل بين أقاليم المغرب والمشرق، قبل أن يستقر أخيرًا في مدينة الإسكندرية، التي أصبحت مركز نشاطه العلمي والفكري، ومنها خاطب الحكام والعامة، وترك أثرًا امتد لقرون.
ويُبرز الكتاب الطرطوشي بوصفه عالمًا لم يكتفِ بالفقه والتعليم، بل مارس دور المفكر الناقد، الذي تأمل واقعه، وحلل أزماته، وسعى إلى إصلاحه بعقلٍ علمي، وضميرٍ أخلاقي، وشجاعة في قول الحق. وقد جمع في مسيرته بين الزهد الشخصي، والحضور العام، وبين الالتزام الديني، والوعي السياسي.
لا يقدم هذا العمل سيرة تقليدية أو سردًا تاريخيًا جافًا، بل يرسم صورة حيّة لعالمٍ تشكّلت أفكاره عبر التجربة والرحلة والاحتكاك المباشر بواقع مضطرب. ويرافق القارئ الطرطوشي منذ نشأته الأولى، مرورًا بأسفاره المتعددة، وصولًا إلى استقراره في الإسكندرية، كاشفًا عن ملامح تكوّن شخصيته، والتحديات التي واجهها، وكيف انعكست تلك التجارب في كتابه الأشهر «سراج الملوك»، الذي خرج من رحم معاناة فكرية وتأمل عميق في أحوال عصره.
ويؤكد الكتاب أن سيرة الطرطوشي لا تنتمي إلى الماضي وحده، بل تحمل دلالات راهنة، إذ تكشف أن أزمات الأخلاق، وفساد السياسة، والانشغال بالترف، ظواهر متكررة في تاريخ المجتمعات. ومن هنا تتجدد الحاجة إلى نماذج العلماء المصلحين القادرين على توجيه الوعي، وإيقاظ الضمير، وربط العلم بالمسؤولية.
يمثل هذا الكتاب محاولة لإحياء سيرة عالم من طراز خاص، ليس بدافع تمجيد الأشخاص، وإنما لاستحضار التجربة، واستخلاص الدروس، وتسليط الضوء على نماذج فكرية أسهمت في تشكيل الوعي الحضاري للأمة.
كتاب الإمام الطرطوشي.. من ضفاف الأندلس إلى شواطئ الإسكندرية للدكتورة رانيا عدلي