يُمثّل عصر دولة سلاطين المماليك (648–923هـ / 1250–1517م) إحدى الحلقات البارزة في تاريخ المسلمين عبر عصورهم؛ إذ امتد سلطان هذه الدولة ليشمل مصر والشام والحجاز، وقد اكتسب المماليك شرعيتهم من نجاحهم في التصدّي للأخطار الخارجية المتمثّلة في الصليبيين والمغول، فضلًا عن إحياء الخلافة العباسية في القاهرة بعد أن سحقها المغول في العراق.
ولم يتوقف دور سلاطين المماليك عند العمل العسكري، بل تعدّاه إلى رعاية العلوم والفنون والآداب والعمران؛ فتميّز عصرهم بالثراء الاقتصادي، والتنوّع الاجتماعي، والازدهار العلمي والفكري، وهو ما ترك بصمة واضحة في مسيرة الحضارة الإسلامية.
الأستاذ الدكتور محمد فوزي رحيل، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية المساعد بكلية التربية بجامعة مطروح، وعضو مجلس إدارة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، قلب فيما بين أيدينا من مصادر وجاء بدراسة أصيلة حرر بها أوراقًا جديدة لتاريخ العصر المملوكي في مصر والشام تلقي الضوء على ما بلغه ذلك العصر من تقدم ورُقي، وذلك عبر كتابه الجديد "أوراق مملوكية.. دراسات ي التاريخ الحضاري لعصر سلاطين المماليك"، والذي صدر مؤخرًا عن دار "فرست بوك" للنشر والتوزيع، والمشارك به أيضا في معرض القاهرة للكتاب في دوته السابعة والخمسين المنعقدة حاليًا.
بدوره يقول الدكتور محمد رحيل:"إنّ هذه الأدوار المتنوّعة لدولة سلاطين المماليك حدَت إلى دراسة بعضٍ منها؛ فجاء هذا الكتاب بعنوان: "أوراق مملوكية"، ليقدّم مجموعة من الدراسات التي تُلقي الضوء على جوانب متفرّقة من الحياة في مصر والشام زمن سلاطين المماليك. وهي دراساتٌ مستقلّة في ظاهرها، لكنّها متكاملة في مضمونها؛ أشبه بالمنمَّمات الدقيقة التي تُزيّن المخطوطات المملوكية: كلّ لوحةٍ تحمل ملامحها الخاصة، غير أنّ اجتماعها يكشف صورةً بانورامية واسعة لذلك العصر.
وقد توزّعت موضوعات الكتاب على ثلاثة محاور رئيسية:
أولا المحور السياسي والعسكري
يضم ثلاثة فصول، أولها اهتم بالعلاقة بين العالِم والسلطان كما تجلّت في صلة الشيخ خضر المهراني بالسلطان الظاهر بيبرس البندقداري؛ تلك العلاقة الغامضة التي ربطت السلطان الشهير بشيخ الصوفية، والتي جعلت رأس الدولة يمنحه سلطات واسعة في مختلف بقاع السلطنة، ثم لم يلبث أن انقلب عليه ووضعه في السجن حيث لَقِيَ ربَّه. سعى هذا الفصل إلى تحليل تلك العلاقة وتفسير التحوّل الكبير الذي أودى بحياة هذا الشيخ غريب الأطوار.
أما الفصل الثاني فجاء حول "التكتيكات الحربية وأساليب الحصار عند المماليك البحرية"، إذ اهتم الفصل بإلقاء الضوء على ما سطرته كتب فن الحرب المملوكية فيما يتعلق بفنون الحصار، ومقارنتها بعمليات الحصار الفعلية التي قامت بها الجيوش المملوكية، في محاولة للموازنة بين النظرية والتطبيق، وبيان مدى التزام قادة الجيش بما ورد في أدبيات الحرب المملوكية، وهل أثّر ذلك سلبًا أم إيجابًا على تلك العمليات؟
وألقى الفصل الثالث أضواء كاشفة على "دور الجيش في الأعمال المدنية زمن الناصر محمد بن قلاوون". ويرجع الاهتمام بهذا الموضوع إلى محاولة بيان الظروف التي مكّنت الجيش المملوكي من القيام بدور غير تقليدي، وهو المشاركة في المشروعات المدنية، مع تتبّع أنواع المشروعات التي أُنجزت ودرجة تأثيرها على اقتصاد السلطنة في تلك الفترة الذهبية التي غدت فيها السلطنة قوةً عظمى يخطب ودَّها ملوك الشرق والغرب على حدّ سواء.
ثانيًا: المحور العلمي والفكري
يتناول فصله الأول " الأندلسيون ودورهم في الحياة العلمية في عصر سلاطين المماليك"؛ إذ شهدت هذه الفترة هجرات جماعية لقطاعات عريضة من الأندلسيين نحو أقطار السلطنة، بحثًا عن الاستقرار الذي افتقدوه نتيجةً لتصاعد هجمات الإسبان لطرد المسلمين من الأندلس، إلى جانب عوامل أخرى، مثل الحج وطلب العلم والخلافات الأسرية. فكانت دولة المماليك هي المستقر والمستودع لهذه الجموع الغفيرة من المهاجريين؛ مما ترتّب عليه استقرار كثير من العلماء الذين احترفوا علومًا متعددة وتفوّقوا فيها تدريسًا وتأليفًا، وهو ما ترك أثرًا لا يُنكَر في مجالات علمية شتّى.
واهتم الفصل الثاني بموضوع "التراث الإسلامي في تصنيف العلوم: القلقشندي نموذجًا"؛ ذلك أنّ الحضارة الإسلامية أفرزت إنتاجًا علميًّا كبيرًا في مختلف المجالات الشرعية واللغوية والأدبية، إلى جانب العلوم التطبيقية؛ مما حتّم اهتمام العلماء بتصنيف هذه العلوم لتسهيل التعرّف على ما أُنتِج تحتها من كتب، وفي مقدّمتهم النديم صاحب الفهرست.أمّا القلقشندي فمثّل حلقة مهمّة في هذا المضمار، بحكم أنّه من العلماء الموسوعيين الذين عاشوا في عصرٍ عَجَّ بالعلماء والمؤلفات، واستجابةً للتراكم المعرفي الكبير في عصره، الذي تصاعدت خلاله حركة تأليف الموسوعات الضخمة؛ ممّا حفّز القلقشندي على وضع تصنيفه كما بدا في كتابه صبح الأعشى.
ثالثا:المحور الاقتصادي والاجتماعي
بَحَثَ فصله الأول أحوال إحدى الطوائف المهمَّشة، وهي "مكارية القاهرة في عصر سلاطين المماليك"؛ تلك الجماعة التي قامت بدور كبير في نقل الركاب بين مختلف جنبات العاصمة المصرية، مستخدمين عددًا من الحيوانات، أهمّها الحمير والبغال. وعليه فقد درس الفصل أنواع الحيوانات المستخدمة، ومصادر الحصول عليها، ودرجة تجهيزها للعمل. ومع كثرة عدد العاملين بهذه الحرفة، تحتم تقنين أوضاعهم من قِبَل الدولة، كما بدا من كتب الحِسبة. كما تناول الفصل مواقع ارتكازهم، وأوضاعهم الاجتماعية، وعلاقتهم بالتصوف، فضلًا عمّا أُلقي عليهم من أعباء مالية.
أمّا الفصل الثاني فهو بعنوان: "المصابن والصابونية في مصر والشام زمن سلاطين المماليك"، ويسعى للإجابة عن عدد من التساؤلات، من بينها: ما الظروف التي ساعدت على توطّن صناعة الصابون وانتشار مراكز تجارته في شتّى بقاع دولة سلاطين المماليك؟ وكيف توافرت لصُنّاع الصابون في عصر المماليك المعرفةُ الفنية بطريقة تصنيع الصابون فيما يُعرف بـ Know How؟ وكيف كان الشكل المعماري لمصنع الصابون في ذلك الحين؟ وكيف تَمثّل الهرم الاجتماعي للعاملين في صناعة الصابون وتجارته؟ وهل كان هذا الهرم الاجتماعي جامدًا أم وجدت فيه فرصٌ للحراك بين الطبقات؟ وإذا كانت الإجابة بالإيجاب، فما نتائج هذا الحراك؟ وهل كان للصابونية ـــ صُنّاعًا وتُجّارًا ـــ أدوارٌ واضحة في ذلك العصر؟ وما أهم تلك الأدوار؟ وعلى أيّ مستويات ظهرت؟ وكيف تركت المتغيرات السياسية والعسكرية أثرها على الصابونية؟ وهل سعوا لتجنّب الآثار السلبية لهذه المتغيرات، فضلًا عن محاولاتهم الاستفادة منها إن كانت متغيرات إيجابية؟.
وينهى الدكتور محم رحيل مقدمة كتابه بالقول:"إن هذه الأوراق لا تزعم الإحاطة بكل أبعاد العصر المملوكي، لكنها تقدّم للقارئ فسيفساء تاريخية تسعى إلى رسم لوحة جامعة، تُبرز تفاعل السيف والقلم، وتكامل الدولة والمجتمع، وتداخل العلم بالعمران، في حضارة المماليك".
الدكتور محمد فوزي رحيل
كتاب أوراق مملوكية للدكتور محمد فوزي رحيل