في زمنٍ اعتاد كل ما هو اصطناعي، وتمرّس على الاستهلاك السريع، لم يكن متوقعًا أن تعود التجارب الإنسانية الحقيقية، الثرية الأثر، لتفرض حضورها الأخاذ بهذا العمق. تجربة الفنان (الوزير) فاروق حسني حققت ذلك وأكثرَ؛ فقد تحوّل الفنان إلى أبٍ روحي للمشهد الثقافي المصري والعربي، وإلى قيمة ثقافية نادرة أصيلة، وكان لا بدّ من تجليتها، وتأطيرها، والاحتفاء بها على وقتها.
فاروق حسني، احتفت به مصر وزيرًا حظي بثقة سياسية امتدت خمسةً وعشرين عامًا على رأس وزارة الثقافة، الأعرق بين وزارات العالم، وخلف أسماءً من الوزن الثقيل: ثروت عكاشة، يوسف السباعي. واحتفت به فنانًا قبل أن يكون وزيرًا؛ ما مثّل نقطة مضيئة ترسل رسائل عميقة عن إيمان الدولة المصرية بالفن قبل أي شيء آخر. كان جمع الحسنيين، المنصب والإبداع، مغامرة محسوبة، ولولا السماح له بممارسة الفن طوال تلك السنوات الطويلة، لكان الفنان قد قُتل في تلافيف الدولاب الوظيفي والعمل العام.
الإنسان فاروق حسني، جوهر هذا الفنان، فله من التقدير والاحترام ما ظهر جليًّـا بعد انتهاء مهمته وزيرًا مكلّفًا، حين عاد إلى صفوف الناس هادئًـا راضيًـا بلا صخب.
يسمونه الغائب الحاضر، ظل حاضرًا بألقٍ خاص؛ خبيرًا روحيًا، حكيمًا، متعبدًا، راهبًا في محراب الثقافة. حافظ على الخط الفاصل بين أدواره بحكمة ورزانة، مدركًا ما حققه من تاريخٍ حافل واسمٍ براق، ورحلة عطاء حفرت موقعها باسمه في تاريخ مصر الحديث.
نجم فاروق حسني في ألقه الآن، نلمس تقديرًا حقيقيًّـا من الدولة المصرية لقامةٍ وقيمةٍ مصرية خالصة، بلغت ذروتها بحضوره وإلقائه الكلمة الافتتاحية في افتتاحية المتحف المصري الكبير، تقديرًا لدوره في تأسيس الفكرة وإنشائها منذ بداياتها. لحظة لم يتوقعها كثيرون، وشكك فيها البعض حتى اللحظات الأخيرة، بما كشف عن فجوة إدراك لحجم الوعي المؤسسي للدولة وانفتاحها على مساهمات المفكرين الحقيقيين، وتقديرها لرموزها الكبرى بما يليق بتاريخ مصر وحاضرها.
تلا ذلك التفاف الناس حول ظهورٍ استثنائيٍ جميل. ولحظة أخرى لا تقل أهمية، افتتاح متحف فاروق حسني متزامنًا مع عيد ميلاده الثامن والثمانين، وسط حشدٍ ضم وزراء وسفراء وشخصيات عامة فنانين ومثقفين. يومٌ لم ولن يتكرر إلا لفاروق حسني، الذي استطاع عبر سنواتٍ أن يجمع حوله أطيافًا وأجيالًا متباينة دون حرج أو أرق؛ احتفالًا بالرجل، وبالمتحف، وبالعطاء، وبالرمزية التي يمثلها، حكمة، فن، تفرد، وذوق رفيع.
ومع تكريم مصر البالغ الحفاوة بوزيرها وفنانها القدير في مرحلة تتويج المسيرة، جاءت حفاوة المملكة العربية السعودية الشقيقة في توقيتٍ دالّ، تليق برجلٍ مصري مخضرم أسهم في تأسيس كيانات ثقافية عربية حديثة العهد. ولخص "تركي آل الشيخ" المعنى في عبارة مكثفة: «رجل عظيم من بلد عظيم». جائزة تحمل اعترافًا مزدوجًا: بعطاء فردي غزير، وبالدور الذي لعبته مصر من خلال أدواتها الدبلوماسية في مدّ جذور نهضة ثقافية عربية نلمس ملامحها اليوم.
كانت كلمة فاروق حسني عند تسلّمه الجائزة متزنةً وحكيمةً؛ شهادة وصكّ إجادة وتفاؤل بمستقبلٍ تتشابك فيه أوصال الثقافة مصريًّـا وسعوديًّـا وعربيًّـا. وفي قاعةٍ ممتلئة بالنجوم من كل أركان العالم، بدا تكريم اسمٍ مصريٍ ذي ثقلٍ حقيقي وتاريخٍ متعدد الطبقات هو الحدث الأهم.
اللافت والبالغ الدلالة أن جيل زد كان متابعًا جيدًا. هكذا أصبح فاروق حسني أيقونةً عابرة للتحولات الزمنية، يؤكد تأثيره وتأثر المجتمع به إجماعًا بأن الناس ستنحاز لما هو أصيل وقيمي. ومن هنا، نحن بحاجة إلى مشروع يعيد توظيف وتوطيد وتطوير المسارات الثقافية المعنية بالأصالة والهوية، بمشاركة كل من الحكماء والشباب، أراه مشروعًا وطنيًا، قوميًّا وعربيًّا في آن: سردية الأصالة الثقافية.. حلم لا أظنه أصبح بعيدًا.