"دبلوماسية القادة" وأزمات المنطقة

22-1-2026 | 17:32

قفزت العلاقات المصرية - الأمريكية لصدارة المشهد، وخاصةً مع عودة الدفء بين واشنطن والقاهرة، واقتراب مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من رؤية مصر في غزة، وعرض ترامب التوسط في ملف السد الإثيوبي. وكشفت مصادر عربية مطلعة أن العلاقة المتميزة التي تجمع ما بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي والرئيس ترامب، كانت من أهم أسباب عملية تفهم واشنطن لرؤية مصر لقضايا المنطقة، وإقرار ترامب بالدور المحوري لمصر في استقرار الشرق الأوسط.

ويمكن أن نرصد هنا تزايد أهمية دبلوماسية القادة، ويأتي التقارب بين ترامب والسيسي في لحظة دولية تتسم بتآكل دور المؤسسات متعددة الأطراف، مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، مقابل تصاعد دور القادة الأقوياء والعلاقات الشخصية في إدارة الأزمات.

وفي هذا السياق، أصبحت القدرة على التواصل المباشر بين الزعماء عنصرًا حاسمًا في صنع القرار. ومن هنا، تكتسب قدرة الرئيس السيسي على التواصل مع شخصيات مثل الرئيس ترامب، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الصيني شي جين بينج أهمية إستراتيجية لمصر.

وترى مصادر غربية مطلعة أن القاهرة رغم أنها ليست قوة عظمى، فقد نجحت في تعويض ذلك عبر قيادة سياسية نشطة وحاضرة في معظم بؤر التوتر؛ من إيران وغزة ولبنان وشرق المتوسط والسودان وأوكرانيا إلى سوريا وليبيا.

وفي ملف السد الإثيوبي يبرز تداخل واضح بين القاهرة وواشنطن يتجاوز قضية تسوية أزمة مياه، وتتعلق مصالح الطرفين بالحفاظ على أمن البحر الأحمر، وتأمين الملاحة، وتدفق التجارة العالمية، ومواجهة خطر تفجر الأوضاع الهشة في منطقة القرن الإفريقي وتمدد خطر الإرهاب.

وهذا التداخل المصري - الأمريكي لا يعني بالضرورة اتفاقًا إستراتيجيًا كاملًا، لكنه يوفر أرضية تعاون عملية، خاصةً في ظل رغبة ترامب في تقليص الوجود العسكري الأمريكي المباشر في المنطقة. كما أن وجود رئيس أمريكي أكثر تفهمًا للهواجس الأمنية المصرية يمنح القاهرة هامش حركة أوسع في القرن الإفريقي.

ولقد شهد ملف سد النهضة الإثيوبي تطورًا مفاجئًا في يناير 2026 مع عرض الرئيس ترامب استئناف دور الوساطة بين مصر وإثيوبيا بشأن تقاسم مياه النيل وحل نزاع سد إثيوبيا الممتد منذ سنوات، والذي يسلب الخرطوم والقاهرة حقوقهما المائية.

ورحبت القاهرة والخرطوم سريعًا بالمبادرة، واعتبرتها خطوة لإحياء المفاوضات المجمدة منذ فترة، لكنها أثارت تساؤلات عن توقيتها، خاصةً أن آخر تطور في هذا الشأن كان في سبتمبر 2025، عندما دشنت إثيوبيا السد رسميًا.

وكان ترامب قد توسط بالفعل في جولات تفاوضية خلال ولايته الأولى انتهت باتفاق بالأحرف الأولى وقّعته مصر ورفضته إثيوبيا عام 2020، قبل أن تنهار المحادثات إثر انسحاب أديس أبابا. ومنذ ذلك الحين، جرت محاولات إفريقية للتوسط دون التوصل إلى اتفاق حاسم. ويرى كثير من الخبراء أن أزمة السد جزء من صراعات إقليمية، وأن توقيت التحرك الأمريكي يتجاوز مسألة السد إلى تطورات إقليمية كبرى.

وبالنسبة للقاهرة، جاء الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند كناقوس خطر يستدعي تحركًا إستراتيجيًا عاجلًا. فمصر تعتبر منطقة القرن الإفريقي امتدادًا حيويًا لأمنها القومي، لا سيما مع امتداد سواحلها على البحر الأحمر لأكثر من 2000 كيلومتر.

وقد تخوفت الدوائر المصرية من أن يؤدي ترسيخ أقدام "إسرائيل" في صوماليلاند إلى تمكين حليفتها إثيوبيا، الدولة الحبيسة، من الوصول إلى البحر الأحمر عبر موانئ هذا الإقليم، وهو سيناريو يُعد كابوسًا إستراتيجيًا للقاهرة؛ إذ سيمنح أديس أبابا منفذًا بحريًا يعزز موقفها في نزاع السد الإثيوبي المستمر منذ سنوات، ويعقّد النزاع حول مياه النيل ويضع مصر أمام جبهة ضغط جديدة.

وقد لخّص خبير عسكري مصري الأمر بقوله إن "صوماليلاند ربما تكون المنطقة الأكثر إستراتيجية في الصومال، فقربها من مضيق باب المندب يجعلها بوابة الجنوب للبحر الأحمر، وقد تُستغل لإعاقة وصولنا إليه".

وفي الوقت نفسه شهدت الفترة الأخيرة تطورات متسارعة في القرن الإفريقي، وأبرزها أن تنفيذ اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والصومال توسّع وتعزّز "على الأرض منذ اعتراف إسرائيل بأرض الصومال". وحذّرت مصادر عليمة من أنه إذا انهارت الصومال أو ضعفت بفعل ضغوط خارجية، "فلن تتمكن مصر من الاستمرار هناك" – في إشارة إلى أن أي فراغ هناك قد تستغله قوى معادية مثل "تل أبيب" أو أديس أبابا، الأمر الذي لن تسمح به القاهرة.

وإلى جانب التواجد الميداني في الصومال، تبنّت مصر إستراتيجية تطويق دبلوماسي ولوجستي لإثيوبيا في المنطقة. فعلى مدار السنوات الأخيرة، عززت تحالفاتها الثنائية مع دول جوار خصمها، فوثّقت علاقاتها بكل من جيبوتي وإريتريا وكينيا وكذلك مع الصومال نفسه.

وبالتوازي مع الحراك الأمريكي، كانت ملامح تحالف إقليمي جديد تتشكل على الضفة الأخرى من البحر الأحمر. فقد كشفت وكالة بلومبيرغ أن السعودية تضع اللمسات النهائية على اتفاق لتشكيل تحالف عسكري جديد يجمعها مع مصر والصومال.

ويهدف هذا التحالف إلى تعزيز التعاون الإستراتيجي في أمن البحر الأحمر وتعميق التنسيق العسكري بين الدول الثلاث، وفقًا لمصدرين مطلعين تحدثا لبلومبيرغ. وتوقعت أن يتوجه الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود إلى الرياض قريبًا لتوقيع الاتفاق رسميًا.

ويكتسب هذا التحالف أهميته من سعي الرياض والقاهرة إلى كبح النفوذ الإقليمي لإثيوبيا وإسرائيل التي تصاعد التنافس بينهما وبين مصر السعودية في السنوات الأخيرة، وخاصةً في منطقة القرن الإفريقي.

ورغم كل المؤشرات الإيجابية، لا يمكن التعامل مع اهتمام ترامب بالقيادة المصرية بوصفه ضمانة دائمة. وتدرك النخبة المصرية أن السياسة الأمريكية محكومة بالمصالح المتغيرة، وبميزان القوى داخل مؤسسات الحكم، وليس بشخص الرئيس وحده. لذلك، فإن الرهان المصري لا ينبغي أن يكون على شخص ترامب، بل على تحويل هذا التقارب الحالي إلى مكتسبات مؤسسية طويلة الأمد.

ويعكس التقارب بين ترامب والسيسي تحوّلاً أعمق في بنية النظام الدولي، حيث تتراجع القواعد الثابتة، وتبرز الشخصيات القيادية بوصفها صانعة للتوازنات. وتمثل هذه اللحظة فرصة نادرة لمصر لتعزيز موقعها الإقليمي والدولي، شريطة إدارة هذا التقارب بعقلانية سياسية، توازن بين الاستفادة القصوى من اللحظة، والحفاظ على استقلال القرار الوطني وتعدد خياراتها الإستراتيجية.

والنجاح في ذلك لا يتوقف على حجم الإشادة، بل على القدرة على تحويل الخطاب السياسي إلى نفوذ مستدام ومكاسب ملموسة في عالم سريع التحول.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة