دعودة إنقاذ للعربية في عيدها

22-1-2026 | 14:51

ما أتعس اللغة حين تظل غريبة مهجورة ممجوجة بين أهلها، ما أشقاها حين يتحدث أهلها لغات أخرى بديلة عنها.. ما أحزنها حين يتوجه النظر إليها باعتبارها ماضيًا باليًا غير مأسوف عليه بينما هي مستقبل واعد -ليس تفاؤلًا- لكن لكونها لغة صنعت حضارة وأسست لمفاهيم وأنشأت علومًا وقدمت فلسفات وأشاعت روحانيات وطرحت نظريات وأبدعت آدابًا، فكيف لها أن تتوارى خجلًا أو تصبح ظلًا شاحبًا بعد أن كانت درة التاج بين اللغات؟!

إن الاحتفالية الدولية من قبل منظمة اليونسكو باللغة العربية لا بد أن يحظى لدينا بحفاوة بالغة بهذه اللغة الثرية الخصبة الفياضة التي قدمت نموذجًا متفردًا للحس الجمالي وأنتجت معاني عبقرية وأحرزت تقدمًا هائلًا في جدليات الفكر الديني والسياسي والاجتماعي، ولا بد أن تتبوأ مكانها ومكانتها على الألسنة، لا بد أن تقتحم الواقع المعاصر في محاولة ماسة لإعادة تشكيله وصياغته على نحو يتسق وشموخ هذه اللغة التي استنطقت الأشياء وأقامت بينها علاقات تبدت للآخر الغربي بعد قرون طوال.

وليس غريبًا أن يفتن الكثير من المستشرقين بعظمة هذه اللغة وسحرها الأخاذ ودلالاتها المتعددة وعمقها الذاتي وبنيتها المعرفية وتألقها البلاغي وجذورها الضاربة في التاريخ. وليس هناك مثالًا حديثًا للحمية على اللغة بأكثر من أن يتبوأ عربي لبناني هو الروائي والمفكر "أمين معلوف" قيادة الأكاديمية الفرنسية ذلك أنه أدخل مفردات جديدة على اللغة الفرنسية وأضفى عليها معاني لم تكن لها من قبل، وهو موقفًا نموذجيًا يعرب عن مدى الاعتزاز باللغة والحرص عليها لأنها بالطبع تعد إحدى ركائز الكرامة الوطنية... تلك الكرامة التي تحققت للغتنا العربية حين كانت علوم الطب تدرس بها في جامعة السوربون فضلًا عن كونها لغة رائدة كان يتهالك الغرب على تعلمها وإجادتها ذهابًا وعودة إلى الأندلس باعتبارها قبلة العلم وهو ما يذكرنا بأن كلمة العرب كانت ذات آن كلمة نافذة في بعض أقطار الأرض كآسيا وإفريقيا وأوروبا.

إن سرد بطولات ومآثر هذه اللغة وطرائفها وإيحاءاتها المنسابة وشاعريتها الفذة ومتانة سياقاتها وعبقرية تراكيبها وخلود مأثوراتها بالطبع لا بد أن يمنحها مقامات رفيعة من الاحترام والتوقير بين أهلها باعتبارها لغة أصيلة تجاوز عمرها سبعة عشر قرنًا وبالطبع تظل هي جوهر الهوية، لكن ما بالنا وقد صارت الهوية تعايش خللًا دائمًا حين أقصينا الفصحى وتبرأنا منها إهمالًا ونسيانًا وإعلاء للغة أخرى تكون لها مركز الصدارة في واقعنا على كافة أصعدته وهو ما يغضب التاريخ وينتقص من الكينونة ويدفع نحو اغتراب الذات المتعبدة في مرآة الآخر، وكذلك لا يخلق الدافعية نحو استقصاء مدى الإعجاز البياني في قرآننا العظيم.

إن مناقشة قضية اللغة العربية في لحظتها المعاصرة إنما يستوجب طرح العديد من التساؤلات الملحة مثل: كيف كانت العربية هي لغة العلم في العالم طيلة خمسة قرون ثم صارت لغة غير فاعلة في تشكيل المنظومة الثقافية والفكرية والعلمية؟ من ثم كيف تتحول المسئولية المجتمعية تجاه اللغة إلى طاقة إرادة تجعل منها أيقونة حضارية؟ بل وكيف تتغير نظرتنا إلى العربية من لغة متراجعة إلى لغة أكثر تقدمية عن غيرها من اللغات؟ وكيف يصبح التعامل معها ممثلًا لملحمة احترام وإعزاز؟ وكيف تقطعت أواصر الانتماء معها؟ وأيضًا كيف لم نستطع التعامل معها باعتبارها آلية من آليات القوة الناعمة التي تمكننا من المواجهة في المشهد الثقافي والسياسي المعاصر؟ وكيف ننبذ عربيتنا وهناك طوفان بشري يسعى جاهدًا لتعلم العربية؟ بل كيف نتواجه مع حملات الغزو الثقافي والتغريب ونحن لا نملك غير آلية التقليد والتبعية؟ كيف نتحرر من ثقافة الهزيمة إحياء لحياتنا العقلية؟

إن حركة الإبداع الفكري الفلسفي وكذلك حركة التقدم العلمي والاجتماعي لا بد أن تبدأ من احتضان اللغة العربية ورعايتها لأنها لغة تسمو على لغات أخرى كثيرة باعتبارها تذخر بنحو اثني عشر مليون مفردة وباعتبارها كذلك لغة ملهمة لا تزال إشعاعاتها تنعكس على الآداب العالمية بجانب كونها لغة يتحدث بها قرابة نصف مليار من البشر في القارات الأهم آسيا وإفريقيا وأوروبا نظرًا لأهميتها التاريخية إضافة لكونها رمزًا حيويًا للتنوع والإلهام. وإذا كان اعتمادها كلغة رسمية لدى هيئة الأمم المتحدة أثر نصر أكتوبر المجيد فلنجدد الانتصار لها دومًا ولا ننسى مطلقًا أنه... كم عز أقوام بعز لغات.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة