كرةٌ تتدحرج… وأسئلة لا تهدأ

22-1-2026 | 14:28

حدثت مناوشات في بطولة كأس الأمم الإفريقية بالمغرب. لا بأس. هذا يحدث بين الحين والآخر، بل يكاد يكون طقسًا كرويًا ثابتًا. مباراة كرة قدم، جماهير عربية، حماس زائد، أصوات تعلو، وكل طرف يريد الكأس، ويريد أن يهتف: أنا الأول… والباقي يأتي بعدي.

لكن السؤال الفلسفي البسيط هو: هل يمكن أن نشجّع بلا خصام؟ أن نختلف بلا فتنة؟ أن نفوز دون أن نُهين؟

نحن مطالبون -جميعًا- أن نكون مفاتيح للخير، مغاليق للشر. لا للشماتة، ولا للسخرية، ولا للهمز واللمز. وليس هذا واجب الكتّاب والمفكرين والإعلاميين فقط، كما كنا نظن قديمًا، بل واجب المواطن العادي أيضًا.

نحن نعيش زمنًا عجيبًا: رأي شخص عادي قد ينتشر أسرع من بيان رسمي، وقد يُصدَّق أكثر منه، فقط لأنه حادّ، مستفز، ويُشعل الغضب. فالهدوء لا يحقق “ترند”، أما الاستفزاز فيُكافأ بالانتشار.

الرأي غير السوي -للأسف- يجد طريقه أسرع؛ لأنه يثير التعليقات والسباب والردود، فيتصدر المشهد. وتدخل القنوات الإخبارية، حتى الجادة منها، على الخط، فتنقل “مناوشات” بصيغة الخبر المحايد، فتنهال التعليقات المتحيزة، ويبدأ سباق: هذا ضد ذاك، وذاك ضد هذا… والكل يعرف، ومع ذلك نستمر.

وأنا أرى -وربما أكون حالمًا- أن بطولة كأس الأمم الإفريقية بالمغرب فرصة ذهبية. فرصة لنعرف المغرب أكثر: ثقافيًا، وفكريًا، واقتصاديًا، وجغرافيًا. بلد قريب من أوروبا، بعيد عن الضجيج، صاحب طبيعة ساحرة، حتى إن السينما الأمريكية صنعت فيلمًا خالدًا باسمه: كازابلانكا.

أليس هذا مدعاة للاكتشاف بدل الاشتباك؟

وحين أتحدث مع الأصدقاء المثقفين وأصحاب الفكر، نجد شبه إجماع: المغرب من أكثر البلدان العربية حضورًا في الفلسفة المعاصرة. من بينهم عبدالكبير الخطيبي الكاتب والفيلسوف، الذي اشتهر بنقده للاستعمار والثقافة الغربية. ألف أعمالًا مثل "الذاكرة الموشومة"،.. وكذلك على نقيضه عبدالله العروي، المفكر والمؤرخ، والمعروف بعقله النقدي الصارم في قضايا الدولة والحداثة والتاريخ. ويبرز أيضًا طه عبدالرحمن بفلسفته الأخلاقية العميقة التي تحاور الحداثة من داخل المرجعية الإسلامية.. كما يواصل عبدالسلام بنعبد العالي اشتغاله التفكيكي على اللغة والفكر والاختلاف، بينما يُعد فتحي المسكيني (تأثيره حاضر في المغرب بقوة أكاديمية) أحد أهم الأصوات التأويلية في الفلسفة العربية المعاصرة.

وفي الأدب، يظل الطاهر بن جلون اسمًا عالميًا، يكتب عن الهوية والمنفى والذاكرة، ويقف عبدالفتاح كيليطو في مكان خاص، يضحكك ويُربكك، ويحوّل النقد إلى لعبة ذكية. ومعهما محمد الأشعري، وأسماء كثيرة تضيق المساحة عن ذكرها.

ولا ننسى الفن والموسيقى والسينما، والإعلام، والثقافة العامة، والسياسة والفكر العام. أما رياضيًا، فالمغرب تفوق في الناشئين، وفي كأس العالم، وفي الأولمبياد… وكأن الكرة قررت أن تفهم الفلسفة أيضًا.

اقتصاديًا، للمغرب تجربة لافتة -كتبت عنها من قبل- في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية، بعوائد قُدِّرت بنحو 11 مليار دولار.

بلد يعمل، ويفكر، ويخطئ أحيانًا… ككل البلاد.

كل بلد فيه الجيد والمُخزي. وكل إنسان قادر على أن يذكّر أخاه بما يكرهه. لكننا لا نفعل ذلك ويجب ألا نفعل!

أتعرف لماذا لا يجب؟ لأننا نريد أن نتعايش، لا أن نتصارع.

الكلمة الخبيثة سهلة، وممتعة، وتفتح لك الصفوف الأولى في عالم “السوشيال”.

أما الاعتذار، وضبط النفس، والتجاوز.. فهي صفات عظيمة، لكنها لا تصنع ضجيجًا.

وقد حدث أن سُئل تشرشل يومًا: ماذا رخّصتَ لنا والأسعار غالية؟

فقال ساخرًا: رخّصتُ لكم الصابون!

غضب الناس.. ثم اعتذر الرجل فقد كان تعبيرًا جارحًا.

والفارق بين السخرية الحكيمة والمهينة… كلمة، وشجاعة اعتذار.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة