كيف أعاد الدكتور حسام بدراوي الفلسفة إلى قلب الحياة؟ سؤال خطر ببالي فور قراءتي لكتاب "نيتشه في الإسكندرية" فاختيار نيتشه عنوانًا للكتاب فعل استفزاز، بل فعل وعي.
فالكتاب الصادر عن دار العين للنشر والتوزيع، لا تُستدعى الفلسفة لتزيين النص، بل لتفكيك الواقع. هنا لا تُقرأ الأفكار بوصفها تراثًا جامدًا، بل باعتبارها أدوات لفهم الإنسان، وتاريخه، ومصيره.
نيتشه، الفيلسوف الإشكالي، لا يظهر في هذا الكتاب بوصفه صوت الهدم، بل بوصفه سؤالًا مفتوحًا: كيف نحيا بلا أوهام؟ وكيف نتحمل مسئولية ذواتنا في عالم يفضل الوصاية على الحرية؟ بدراوي لا يدافع عن نيتشه، بل يضعه في سياق أوسع، داخل نسيج فكري يضم فلاسفة وعلماء شكلوا الوعي الإنساني، وأسهموا في انتقال الإنسان من الطاعة العمياء إلى التفكير النقدي.
فالكتاب لا يتوقف عند نيتشه وحده، بل يمر — بوعي وانتقائية — على فلاسفة مثل سقراط، الذي علم البشرية أن السؤال أخطر من الجواب، وأن الاعتراف بالجهل هو أول درجات الحكمة. من سقراط نتعلم كمجتمع أن الحوار لا يهدد الاستقرار، بل يحميه، وأن المجتمعات التي تقتل السؤال تقتل قدرتها على التطور.
ثم يطل أفلاطون، لا بوصفه صاحب المدينة الفاضلة، بل كمفكر أدرك خطورة الفوضى حين تنفصل القيم عن المعرفة. وهنا يلمح الكتاب إلى مأزقنا المعاصر: حين نرفع شعارات الأخلاق بلا وعي، أو نطالب بالعدالة دون بناء إنسان قادر على ممارستها.
ويمر أرسطو كجسر بين الفلسفة والعلم، بين التأمل والتجربة. في استدعائه، يذكرنا بدراوي بأن العقل لا يناقض الإيمان، وأن المنهج هو ما يصنع الفارق بين المعرفة والخرافة. من أرسطو نتعلم أن المجتمعات لا تنهض بالنيات الحسنة وحدها، بل ببناء نظم تعليمية تحترم العقل والتجربة.
ولا يغيب ديكارت، بفكرته الصادمة في زمنه: «أنا أفكر إذن أنا موجود». هذه الجملة، التي تبدو بديهية اليوم، كانت ثورة على السلطة المطلقة، ودعوة لتحرير العقل من التلقين. يستدعيها الكتاب ضمنيًا ليذكرنا بأن وجود الإنسان لا يقاس بما يردده، بل بما يفكر فيه.
أما كانط، فيحضر كصوت للضمير الأخلاقي، الذي لا يقوم على الخوف، بل على الوعي بالمسئولية. ومنه نتعلم أن القانون بلا وعي يتحول إلى قمع، وأن الحرية بلا أخلاق تنقلب إلى فوضى. وهي معادلة لا تزال مجتمعاتنا تتعثر في فهمها.
وسط هذا النسيج، يعود نيتشه لا كقاطع طريق، بل كفيلسوف واجه النفاق الأخلاقي، ورفض القيم التي تفرض دون حياة. نيتشه هنا ليس دعوة إلى القوة الغاشمة، بل إلى القوة الداخلية: قوة الإنسان القادر على خلق معنى لحياته، لا انتظار معنى جاهز يملى عليه.
الإسكندرية، في هذا السياق، ليست مجرد خلفية مكانية، بل رمز حضاري. مدينة عرفت الفلاسفة، والعلماء، والمترجمين، والجدل الخلاق. وكأن الكتاب يقول لنا: إن الفلسفة لا تزدهر في المجتمعات المنغلقة، بل في المدن التي تعرف الاختلاف وتحتمله.
وما وراء هذا الكتاب، أبعد من الأسماء والأفكار، هو درس اجتماعي عميق: أن نهضة المجتمعات لا تبدأ بالسياسة، بل بالوعي. لا تبدأ بالقوانين، بل بتغيير طريقة التفكير. أن التعليم ليس حشوًا للمعلومات، بل تدريب على السؤال. وأن التدين الحقيقي لا يخاف من الفلسفة، لأن كليهما بحث عن المعنى.
نيتشه في الإسكندرية ليس كتابًا عن الفلاسفة، بل عن الإنسان. عن حاجتنا إلى عقل شجاع، وروح مفتوحة، ووعي لا يخلط بين الطمأنينة والجمود. هو كتاب يذكرنا بأن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس الأفكار الجريئة، بل العقول التي توقفت عن التفكير.
وفي زمن تتكاثر فيه الإجابات السهلة، يذكرنا هذا الكتاب بحقيقة لا مفر منها: أن السؤال الصادق هو أول طريق النجاة.