سأل طالبٌ أستاذَه، العالم الكبير، أينشتين: ما هو المنطق؟
تبسم أينشتين، وقال له: أجبني أولًا عن هذا اللغز! الذي أسوقه لك حالًا.
سقط اثنان من فوق مدخنة، داخل أحد المنازل.
خرج أحدهما، من هذه المدخنة، متسخ الوجه، من آثار الفحم والغبار، فيما الآخر خرج نظيف الوجه تمامًا!
مَنْ منهما سيذهب لغسل وجهه؟
فأجاب الطالب على عجلٍ: متسخ الوجه طبعًا!
فتبسم أينشتين، مرةً أخرى، وقال: إجابتك خاطئة! فكلاهما نظر للآخر يقينًا، وبعد تدقيق النظر، سيذهب صاحب الوجه النظيف، لغسل وجهه؛ ظنًا منه أن وجهه متسخ، كوجه صاحبه! فيما الآخر (متسخ الوجه حقًا) لن يذهب؛ ظناً منه كذلك أن وجهه نظيف، كوجه صاحبه!
انبهر الطالب بالإجابة، وقال: هذا حقًا يا أستاذي، تفسير رائع، ومنطق عبقري.
قال أينشتين: وأنا إلى الآن، لم أكمل كلامي! إذ هل من المنطق، أن يقع اثنان، في نفس المدخنة، وفي نفس الظروف والتوقيت، فيتسخ وجه أحدهما، ولا يتسخ وجه الآخر؟!
قال: حقًا سيدي!
فأجاب أينشتين: وهذا هو المنطق الحقيقي! ألا تبحث عن حلٍ لمشكلة، قبل أن تسأل نفسك سؤالًا مهمًا: هل هذه المشكلة منطقية أصلًا؟!
فأكبر تغفيلة! يقع فيها إنسان، أن يحاول حل لغزٍ، هو في الأساس خاطئ من البداية، ولا يعدو عن كونه مجرد (اشتغالة!)
ومن هنا، يبدأ ذكاء الإنسان، لحظة يرفض اللعبة، التي لا تتماشى مع عقله.
إنَّ مجافاة المنطق، ومخالفة الحقيقة، قد يهويان بصاحبهما، في وادٍ سحيق.
وبناء الأمم، والارتقاء بالمجتمعات، والحفاظ على الحضارات، إنما يكون بالجهد والعمل، وإعمال العقل والمنطق.
ومن الحماقة أن نستخدم نفس المقدمات، ونتوقع نتائج مختلفة!
يُحكى أنَّ امرأةً مرت على مجلس علم، فقالت: من الفقيهُ فيكم؟! فأشاروا إلى أحدهم.
فقالتْ له: أخبرني، كيفَ تأكلُ؟
فقال لها: أسمي اللهَ، وآكلُ بيميني، وآكلُ مما يليني، وأصغر اللقمة، وأجيد المضغة.
فقالتْ له: وكيفَ تنامُ؟ قال: أتوضأ وأنام على جنبي الأيمن، وأقرأ ما تيسر من الأذكار.
فقالتْ: أنتَ لا تعرفُ أنْ تأكل، ولا تعرف أن تنام!!
فنظروا إليها مستغربين!
وهو أشد استغرابًا، وسألها: إذن كيفَ الأكلُ والنومُ؟ فقالتْ له: لا يدخلُ بطنَك حرامٌ، وكُلْ كيفما شئتَ! ولا تحملْ في قلبك غلًا لأحد، ونمْ كيفما شئتَ! ما أخبرتَني به (هو أدب الشيء) وما أخبرتُك به (هو جوهر الشيء) وجوهر الشيء أهم كثيرًا من آدابه.
كثيرٌ من الناس يبالغون في المظهر، ولا يتحققون من الجوهر، وما أدراك ما الجوهر!
لم ينبهر العرب بملابس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وجميل هندامه، وصباحة وجهه الكريم، ولا بمطعمه، ولا بمشربه.
لكنهم انبهروا بعظيم أخلاقه، وطيب سيرته، وحُسن أدبه، ولين معاملته.. فحوّلهم صلى الله عليه وسلم من أمةٍ ترعى الغنم، إلى أمةٍ تقودُ الأمم، فالدين دومًا هو المعاملة..
ونحن الآن، أمة العرب، لا منطق يحكمنا، فالعدو نقربه، ونغدق عليه أموالنا، والقريب نبعده، ونعبث بمقدراته!
أصبحنا أمة ضعيفة متهالكة، أمةَ مظهر لا مخبر، تستهلك ولا تنتج، تحاكي ولا تبتكر، أمةً على هامش الدنيا، سريعة الاشتعال، لا يُلقي لها الباقون بالًا! أمةً تتصارع عليها الأمم، ولِمَ لا، وقد أضحت غثاءً كغثاء السيل..