في إحدى الأماكن العامة جلست إلى جانب شقيقتي نتبادل أطراف الحديث وفجأة وقعت عيني على تلك المرأة التي كانت تجلس بجوارنا، قدمها زوجها لصديق له قائلًا: زوجتي فلانة، بقي الصديق معهما لدقائق معدودة ثم غادر، بينما بقيت هي بجوار زوجها، زائغة العينين تود أن لو تمكنت من إغلاقهما إلى الأبد حتى لا ترى من شاءت لها الأقدار أن يقاسمها حياتها وهو لا يشبهها، عبرت عن ذلك بمهارة بالغة يكسوها ألم كبير تجلى وهي تدير عنه وجهها في كل مرة يتحدث فيها إليها، بدا لي أنه يكبرها بسنوات عدة، فلحيته البيضاء التي تتدلى لأسفل كادت أن تلامس صدره بكل أريحية.
تتجنب النظر إليه كلما حدثها كأنها تود أن تخبر المحيطين بها بأنه لا يمثلها، لا يمت لها بصلة فهو يتناول طعامه بشكل مزعج للغاية، يلتهمه كما لو أنه سيكون آخر زاده كما يقولون، وعدت بنظري لشقيقتي فإذا بها تنظر إليها هي الأخرى، تلاحظ ما لاحظته أنا وتحدث به نفسها.
كانت هناك شاشة تليفزيونية كبيرة تعرض مباراة مهمة، ودت هي أن تتوه في تفاصيلها ولو بلا شغف، فقد استغلتها جيدًا لصالحها، كانت تخبيء هذا الركن من زاوية عينيها بيدها كأنها تتبرأ منه، جسدت دور المتابعة الجيدة ثم راحت تحكي أخبارها وتسرد قصتها من دون كلمات.
نسيت حواري السابق مع شقيقتي عندما أخذنا الحديث عن وجوم تلك المرأة التي كانت تمضغ مرارتها بدلاً من هذا الطعام الذي قام زوجها بوضعه أمامها، امتنعت في البداية عن تناوله، بينما أخذ هو يلتهم طعامه بسرعة مذهلة، راحت هي بعد إشارة منه لطبقها تتناول طعامها ببطء شديد وبلا شهية، كأنها وجدت في ذلك ضالتها لكي تتوقف بسبب عن حديثها معه.
شعور صعب عشته معها وربما بالنيابة عنها، تألمت لألمها، شاركتها بصمتي المشبع بالقلق رصيد كآبتها وحزنها، دعوت لها بالصبر على ما ابتلاها به ربها كلما رأيته غير مكترث لوجودها، بقيت المرأة الرقيقة الهادئة على حالها وهي التي كانت في مثل عمر ابنته، تساءلت: ما الذي أجبرها على الزواج منه؟ لعله سوء حظها، لعل هناك من ضغط عليها، من أرغمها أو لوح لها بسعادة وهمية ستحققها بالقرب منه.
رأيت خلف قصتها العديد من القصص الأخرى، وجدت في غضبها المكبوت بداخلها نارًا مشتعلة وحنينًا لأيام سبقت ارتباطها بهذا الرجل الذي رأيت فيه سجانها لا زوجها، لقد قام بسجن روحها فجعلها تتقوقع في ذاتها، كان سلاحها الوحيد المزجى أمامها هو التغافل عنه، وتجنب الحديث معه قدر استطاعتها.
كونك إنسانًا تقاسم الآخرين أحاسيسهم وتشاركهم آلامهم وإن كانت عابرة سيجعلك تشعر دومًا بأن عمق تفكيرك وقوة ملاحظتك أصبحا طريقين يصعبان عليك دنياك، كلما لمحت عينًا تخبئ دمعها، تطوي حيرتها، تعلن بأقل اللفتات عن عجزها عن أملها في تغيير واقع أليم تحياه وتعيشه بلا هدف ولا أمل ستتعذب.
كم كانت اللحظات التي تابعت فيها هذا المشهد تبدو قصيرة للغاية لكنها كانت مزعجة حقًا، حتى بعد أن انصرفت هذه المرأة تاركة بعض حكايتها محفورة في سجل الذاكرة، وودت أن أربت على كتفها، أقول لها إن هناك من يشعر بك، يترجم صمتك، لكن هذا الفعل لا يمكنني القيام به، فالناس لن تتقبل فكرة أن تلحظ ضعفها، ربما تنكره لأجل ستر ما يمرون به من خذلان وألم نسمع فيه صراخهم.