لم تكن ليلة عادية

21-1-2026 | 13:44

كنت أظن أن كل شيء طبيعي، جسدي في كامل قوته، وذاكرتي تهمل أي شعور بالخطر، ومن يظن أن الصحة حق مكتسب لم يجرب لحظة الانطفاء المفاجئ.

كنت صائمة، وفجأة، وبدون مقدمات، انطفأ الضوء. الكون كله أصبح رماديًا أسودَ. كنت وقتها أصلي العصر، والظلام يكسو المكان، الكون انكمش في رأسي، وكأن زر الإيقاف قد ضغط عليه دون استئذان.

غثيان يتسلل ببطء، وبرودة تزحف في الأطراف، ثقل في الرأس، وعرق غزير يتفجر فجأة، كأن جسدي يفرغ ما تبقى من قوته دفعة واحدة. ثم جاءت اللحظة المفزعة، لحظة تهنيج المخ، ذلك الكمبيوتر المعجزة الذي لا يتوقف عن الحساب والتحليل والتنظيم، توقف للحظات. أصبح ساكنا، صامتا. لا أفكار، لا مقاومة، لا حتى خوف واضح.

ضغط دمي وصل إلى 100/37، حيث الرقم الأعلى يمثل الضغط الانقباضي، والرقم الأسفل هو الضغط الانبساطي الذي انخفض بشكل غير طبيعي إلى 37. لم يكن هذا مجرد رقم، بل شعور بالضعف الشديد، ثقل في الجفون، وجسد ينهار، وكأن كل خلية في جسمي تتوقف عن الصمود للحظة. 

كل شيء بدا من حولي متقلصًا ومظلمًا، كأن الجدران والهواء والصوت انكمشوا في مساحة واحدة ضيقة.

في تلك اللحظة، بقي لي شيء واحد أتمسك به، نقطة ضوء بيضاء داخل نفسي. روحي كلها تمسكت بها، أحاول أن أقاوم الظلام الذي خيم على المكان، ليس بعيني فقط، بل بكل كياني.

كأن أحدهم يسحب الضوء من داخلي ببطء، كنت بالركعة الثالثة، عدت للوراء بظهري لأكمل الصلاة جالسة. جلست، أو ربما سقطت ببطء على المقعد، أنهيت الصلاة وفي تلك الثواني الهشة رفعت عيني إلى السماء. لم يكن دعاء محفوظًا، ولا كلمات مرتبة، كان بالنظر فقط، نظرة من يجرب فكرة الرحيل دون أن يطلبها، كأنها بروفة صامتة للموت البطيء.

أدركت حينها كم نحن هشون، وكم أن الصحة ليست غياب المرض، بل قدرة الجسد على الصمود. حاولت المقاومة، ثم لم أجد ما أتمسك به سوى الكلمات التي لا تخون: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم جاءت الشهادة بلا ترتيب، بلا تفكير: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. لم تكن كلمات وداع، بل ملاذ. وكانت لحظة صامتة تسأل داخلي: هل هذا يومي؟

لم أقطع الصلاة رغم صعوبة ما أشعر به. فهي لحظة يفترض أن تكون امتلاء وسكينة، فإذا بها اختبار ضعف كامل، بين الخشوع والغياب، بين الحياة كما نعرفها والتسليم كما نخافه. لم تكن ليلة عادية، كانت ليلة الإسراء والمعراج، ليلة صعود، وأنا أرفع بصري إليها كمن يطلب التثبيت لا الارتفاع.

وسط هذا كله، كنت ما زلت صائمة، مصممة على استكمال اليوم. لم يكن عنادًا، بل تشبثا بالنية. 

كنت أنادي ربي بصوت داخلي وخافت: "يا رب، أعني ألا أفطر إن كان في ذلك خير لي".

لم يتبق سوى ساعتين على المغرب، وكنت أتمسك بها ليس كموعد إفطار، بل كعلامة حياة، كأذان يقول لي: ما زلت هنا… انتظري.

عرفت في تلك اللحظة أن الإيمان ليس دائمًا قوة، أحيانًا هو ضعف صادق، ورجاء خافت، وصوت داخلي يقول: يا رب فقط ساعدني. هذه اللحظة علمتني أن الضعف قد يفاجئ أي شخص، وأن تجاهل إشارات الجسد ليس شجاعة. لذلك، إذا شعرت فجأة بدوار، غثيان، تشوش، ضعف شديد، اضطراب في الرؤية، خصوصًا إذا كنت بمفردك، اجلس أو تمدد فورًا، ولا تحاول المقاومة. ارفع قدميك قليلا إن أمكن، تنفس ببطء وعمق، وتناول شيئًا مالحًا أو أي سوائل لرفع ضغطك. وإذا كنت صائمًا وشارفت على الإغماء، فالإفطار رخصة ورحمة، لا تتجاهل جسدك.. 

لم تضعفني تلك اللحظة، بل عرفتني بنفسي. علمتني أن الصحة نعمة كبيرة، وأن الإنسان مهما بدا ثابتًا قد يتعلق بالحياة من خيط ذكر فقط. 

تعلمت أن أقدر ضعفي كما أقدر قوتي، وأن التسليم أحيانا أقوى من المقاومة.

وفي تلك اللحظة، شعرت بروحي تنسحب للحظة بين الحياة والموت، ثم تعود ثابتة. كان الانفصال والعودة معا، شعور بروح تتعلم الصمود وسط أقوى لحظات الضعف. 

نعم، كانت رحلة معلقة لم تستغرق فيها الروح دقائق، لكنها لم تستسلم، شحنت طاقاتها وعادت للأرض مرة أخرى… شعور لا يمكن أن ينسى، يتركك أكثر تعلقًا بالحياة وبالوعي الصادق لما حولك خرجت من تلك الليلة أضعف جسدًا، لكن قلبي كان واضحًا، وأشد تعلقًا بكل نفس أُهدي إليَّ، فأدركت أن الصمود ليس ألا نسقط، بل أن نعترف بالهشاشة ونتمسك بالحياة من شعاع صغير من الإيمان، وأن كل لحظة وجود هي هبة وفرصة للوعي والامتنان.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة