ليس ما يجري في الصومال حدثًا معزولًا في جغرافيا بعيدة، ولا هو خلاف محلي بين مركز وأطراف، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من إعادة تشكيل المجال الحيوي العربي والإفريقي، على نحو يجعل التفتيت يبدو كأنه "حل"، ويجعل الاختراق يبدو كأنه "تنمية"، ويُعاد تعريف الأمن لا بوصفه سيادة الدولة، بل بوصفه إدارة المصالح من الخارج. ومن هنا، فإن المنظور المصري لا ينطلق من انفعال سياسي عابر، بل من ذاكرة حضارية وجيوسياسية طويلة، تعرف أن ما يحدث عند الأطراف لا يبقى عند الأطراف، وأن العبث بالخرائط يبدأ دائمًا من المناطق الهشة.
لم تكن الصهيونية مجرد مشروع استيطاني، بل نموذج معرفي يرى العالم وحدات قابلة للتفكيك، ويُعيد تركيبها بما يخدم مركز القوة. ومن هذا المنظور، فإن الاعتراف الإسرائيلي بـ "أرض الصومال" لا يمكن قراءته باعتباره موقفًا دبلوماسيًا "تقنيًا"، بل باعتباره شرعنة لفكرة التفتيت.
فحين يُكافأ كيان انفصالي بالاعتراف والدعم، لا يُكافأ على "الاستقرار"، بل على قابليته للوظيفة: وظيفة جغرافية قرب باب المندب، وظيفة أمنية في خاصرة البحر الأحمر، ووظيفة سياسية في إضعاف الدولة الأم. وهنا تحديدًا يظهر القلق المصري؛ لأن مصر، بحكم تاريخها، تعرف أن تفكيك الدولة الوطنية في إفريقيا ليس نهاية المطاف، بل بدايته.
إن أي وجود أمني أو استخباري معادٍ أو غير منسق مع الإقليم العربي عند مدخل البحر الأحمر يعني: تهديدًا غير مباشر للأمن القومي المصري، وقابلية تحويل الملاحة إلى ورقة ابتزاز سياسي، وإدخال البحر الأحمر في معادلات صراع لا تخص شعوبه، وبالتالي لا تكمن الخطورة في وجود إسرائيل فقط، بل في تحويل الممرات المائية إلى ساحات صراع مفتوح، تُستدعى فيها الميليشيات، وتُستثار فيها الجماعات المتطرفة، وتُدار فيها الحروب بالوكالة.
إن أخطر ما في المشهد الصومالي ليس الاعتراف الإسرائيلي، بل تفكك القرار السيادي الصومالي: حكومة مركزية تُلغي اتفاقات، وأقاليم ترفض وتستمر، وقوى خارجية تدعم هذا وتُقصي ذاك. وهذا النموذج هو وصفة مؤكدة لإدامة الفوضى؛ لأن الأمن حين يُدار إقليميًا لا وطنيًا، يتحول إلى صراع نفوذ، لا إلى حماية مجتمع. ومصر، التي خاضت معركتها الطويلة ضد تفكك الدولة، ترى في هذا المسار تهديدًا مضاعفًا للصومال نفسه، وتهديدًا للمنطقة التي تقع الصومال في قلب توازناتها.
وليس خافيًا على أحد أن الكيان ليس دولة عادية تتحرك وفق منطق المصالح فقط، بل فاعل يعيد تعريف المجال الذي يدخل فيه. فهي لا تدخل منطقة إلا وتُعيد ترتيب أولوياتها، وتُعيد تعريف عدوها، وتُعيد رسم حدود الممكن والممنوع فيها، ونقل منطق الصراع من فلسطين إلى القرن الإفريقي، واستدعاء ردود فعل متطرفة تجعل المنطقة أقل استقرارًا، وربط أمن البحر الأحمر بصراعات الشرق الأوسط المفتوحة. وهذا تحديدًا ما نحاول تجنبه من توسيع دوائر الاشتعال بدل إغلاقها.
في مقابل هذا المسار، تطرح مصر -صراحة- رؤية مختلفة: لا تنمية بلا دولة، ولا أمن بلا وحدة، ولا شراكات خارجية فوق سيادة الداخل. ومن هنا نفهم تمسك مصر بوحدة الصومال، وحساسيتها تجاه أي وجود عسكري أجنبي غير منسق، وحرصها على بقاء البحر الأحمر مجالًا للتعاون لا للاختراق؛ فمصر لا ترى القرن الإفريقي "ساحة"، بل عمق إستراتيجي، وأي عبث به هو عبث بتوازن المنطقة بأكملها. إن الخطر الحقيقي ليس في تغير الحدود، بل في تطبيع فكرة أن الحدود قابلة للتغيير بالقوة والوظيفة. وحين تُطبع هذه الفكرة في إفريقيا، فلن تتوقف عندها. ومن هنا، فإن القلق المصري ليس قلق دولة تخشى على مصالحها فقط، بل قلق حضارة تعرف أن التفتيت حين يبدأ، لا يسأل عن الإذن.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل الموقف المصري من الاعتراف الإسرائيلي بـ "أرض الصومال" عن شبكة أوسع من الإشارات والدلالات التي سبقت هذه الخطوة ومهدت لها، إذ إن الحدث لا ينفصل عن مناخ عام يتسم بإعادة توظيف الجغرافيا الهشة في الإقليم العربي والإفريقي بوصفها مخازن أزمات جاهزة.
ومن هنا، فإن قراءة المشهد تقتضي استحضار تلك الوقائع التي كُشف فيها، ولو على استحياء، عن تصورات أخطر تتجاوز الاعتراف السياسي، وتمتد إلى توظيف الأرض والإنسان معًا في مشاريع إعادة الهندسة الديموغرافية والجيوسياسية للمنطقة، وهو ما يفتح الباب لفهم أعمق لأسباب الرفض المصري القاطع، ليس بوصفه موقفًا سياسيًا آنيًا، بل باعتباره تعبيرًا عن وعي إستراتيجي متراكم بخطورة المسار ككل.
لعل المتابع للشأن العربي والإفريقي يتذكر تلك الإشارة من قبل الكيان المحتل، حين تم التلويح -ولا يزال- بتهجير أبناء قطاع غزة إلى دول أبدت موافقتها في حال المضي والتحرك في هذا الاتجاه، وكانت منطقة "أرض الصومال" واحدة من تلك الأماكن التي تمت الإشارة إليها آنذاك. من هنا ولأسباب أخرى لا تقل خطورة، نتفهم التنديد المصري والرفض القاطع لخطوة اعتراف الاحتلال بإقليم "أرض الصومال" لما تمثله هذه الخطوة الخبيثة من تهديد للاستقرار في منطقة القرن الإفريقي، وقبل ذلك فإنها تمثل انتهاكًا لوحدة وسيادة الأراضي الصومالية، وهو ما اتفقت عليه دول ومنظمات ضمت الاتحاد الإفريقي، والصومال، وجيبوتي، والسودان، والمملكة العربية السعودية، والأردن، وجزر القمر، وغامبيا، والعراق، وإيران، والكويت، وليبيا، والمالديف ونيجيريا وسلطنة عمان وباكستان وفلسطين وقطر. وفضلًا عما تثيره هذه الخطوة من قبل الكيان من شكوك حول نواياه، فإنها كذلك تمثل جزءًا أصيلًا من فكر المحتل الذي دأب -بدعم غربي وأمريكي- على المحاولات الرامية إلى تفكيك المنطقة وإعادة صياغة خرائطها، وإدخالها عنوة في دائرة الصراع الكبرى بين القوى العظمى، التي لا تتوقف عن البحث عن مناطق نفوذ جديدة، لتستكمل مشاريعها الاستعمارية ولو بصورة مغلفة عبر تغيير الواقع السياسي والجغرافي. ولأن الكيان المحتل -كما نعلم جميعًا- هو الذراع الخبيثة لواشنطن في المنطقة، تظل ردود الفعل الأمريكية تجاه أي تجاوز من قبل الكيان، نازعةً عنه أي مساءلة أو لوم، والذي يسعى لتعزيز شراكاته ومصالحه الإستراتيجية، وهذه منطقة حيوية لأمنها القومي، وتضاف إلى مراكز ثقل لا تزال تعمل عليها في فلسطين بكامل أنحائها، وفي سوريا ولبنان، لتعمل على وتيرة جديدة بالامتداد نحو الجنوب والوصول إلى القرن الإفريقي والبحر الأحمر وباب المندب.
هذه الخطوة المرفوضة قطعيًا تحمل بعدًا آخر من الدلالات، يمكن رصدها في أنها تعكس هذا التحول الكبير في إستراتيجية الاحتلال الإقليمية، وبالقياس النظري فإنه تحول بالنسبة لهم إيجابي، بعد أن كانت المناوشات مركزة في أنحاء فلسطين المحتلة، وبالأخص بقطاع غزة والضفة الغربية، ثم الأراضي السورية واللبنانية، وليعطي هذا التحول نتيجة مفادها ضرب الكيان عرض الحائط بأي قوانين أو قرارات أممية، مع استمرار تلقيه الدعم الأمريكي.
في تسعينيات القرن العشرين، أعلنت "أرض الصومال" انفصالها عن الصومال، وإذ تتميز المنطقة بموقع جغرافي إستراتيجي حيوي قريب من اليمن، الأمر الذي يجعلها نقطة ارتكاز فارقة بالنسبة لنفوذ الاحتلال في البحر الأحمر، وخلال العامين الماضيين شهدت هذه المنطقة عمليات عسكرية جوية مكثفة من قبل الاحتلال تجاه جماعات الحوثيين في اليمن، مما كان يشير بوضوح إلى النيات المبيتة تجاه هذه البقعة من الأرض، تتضح في الإقدام على هذه الخطوة التي تحمل أبعادًا بالغة الحساسية بالنسبة لمصر، بالنظر إلى قناة السويس، هذا الشريان السيادي الذي لا يحتمل أو يقبل بأي اختلال في موازين السيطرة عند مداخله، ولذلك فإن البحر الأحمر يمثل امتدادًا مباشرًا للأمن القومي المصري، وليس مستبعدًا عن الكيان المحتل الذي لا عهد له، سعيه الأكبر في محاولة إعاقة وتقويض الدولة المصرية، ومثل هذه الخطوة تمثل جزءًا من هذا المسعى، كمحاولة مستميتة لزيادة النفوذ على الممرات التجارية الحيوية التي تمر عبر القناة، غير أن الكيان يعلم قبل غيره أنه ليس بصدد التلاعب مع دولة يعرف حجمها وثقلها، كما يعرف كلمتها النافذة في حال لوح أي من يكون بتهديد من قريب أو بعيد.
في النهاية، لا يمكن النظر إلى الاعتراف بـ "أرض الصومال" باعتباره خطوة دبلوماسية معزولة، بل هو تعبير عن مسار أوسع يستهدف إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة عبر تفكيك الدول الهشة وتحويل الممرات الحيوية إلى أدوات نفوذ وصراع. ومن هذا المنظور، فإن الرفض المصري لا ينطلق من حسابات آنية، بل من وعي إستراتيجي يدرك أن العبث بوحدة الصومال هو مساس مباشر بتوازن القرن الإفريقي وأمن البحر الأحمر، ومن ثم بالأمن القومي العربي في جوهره.
إن مصر، التي خبرت تاريخيًا كلفة الفوضى وتفكيك الدولة الوطنية، ترى أن الاستقرار لا يُبنى على شرعنة الأمر الواقع أو مكافأة النزعات الانفصالية، بل على احترام السيادة ووحدة الكيان الوطني، ومنع تحويل الإقليم إلى ساحة لتصفية صراعات القوى الكبرى. وفي لحظة كهذه، يصبح الموقف الواضح واجبًا لا خيارًا؛ لأن الصمت أمام إعادة رسم الخرائط لا يحمي الأمن، بل يؤجل الانفجار.