تُعرَّف الصدمة النفسية "Trauma" بأنها استجابة نفسية وعاطفية لتجربة واحدة أو سلسلة من التجارب التي تكون شديدة الإزعاج والاضطراب، إلى حد يفوق قدرة الفرد على التكيّف.
موضوعات مقترحة
وغالبًا ما تُخلّف هذه التجارب مشاعر بالعجز وفقدان السيطرة، وقد تؤدي إلى تراجع الإحساس بالذات والقدرة على اختبار المشاعر والتجارب الإنسانية بصورة طبيعية.
تتخذ الصدمة النفسية أشكالًا متعددة. فالصدمة الحادة تنجم عن حدث واحد مفاجئ وعنيف، مثل حوادث السير أو الكوارث الطبيعية أو الاعتداءات. أما الصدمة المزمنة فتنتج عن التعرض المتكرر والممتد لأحداث مؤلمة، كما في حالات الإساءة الجسدية أو النفسية، أو التنمر، أو العنف الأسري.
في حين تشير الصدمة المركبة إلى التعرض لسلسلة من الصدمات المتنوعة، غالبًا ذات طابع تفاعلي أو علاقاتي، وتمتد عبر فترة زمنية طويلة، مثل الإهمال في الطفولة أو الإساءة العاطفية المستمرة. وهناك أيضًا الصدمة الثانوية أو غير المباشرة، التي تصيب الأشخاص الذين يتعرضون لمعاناة الآخرين بصورة غير مباشرة، كالأطباء والمعالجين الاجتماعيين، أو حتى من خلال التغطية الإعلامية المكثفة للأحداث العنيفة.
وتنعكس آثار الصدمة على المستويات النفسية والجسدية والسلوكية. فعلى الصعيد العاطفي، قد يعاني الأفراد من القلق والخوف والشعور بالذنب أو العار، إضافة إلى الغضب أو التبلد العاطفي وتقلب المزاج. أما التأثيرات المعرفية فتشمل التشوش الذهني، والأفكار الاقتحامية، واسترجاع الحدث الصادم على شكل ومضات أو ذكريات قهرية، وصعوبة التركيز. سلوكيًا، قد يظهر الانسحاب الاجتماعي، أو العدوانية، أو اللجوء إلى تعاطي المواد المخدرة، أو فرط اليقظة. جسديًا، قد تتجلى الصدمة في الأرق، والإرهاق المزمن، والآلام الجسدية المستمرة، واضطرابات الجهاز الهضمي.
للصدمة كذلك أثر عميق في هُوية الفرد ونظرته إلى ذاته والعالم من حوله. فكثيرًا ما تؤدي إلى فقدان الثقة بالآخرين، وتدنّي تقدير الذات، وتغيرات جذرية في رؤية العالم، بحيث يبدو مكانًا غير آمن أو غير عادل، ويشعر الفرد فيه بعدم القيمة أو بالانفصال عن الآخرين. وفي بعض الحالات، تتطور هذه الأعراض إلى اضطراب كرب ما بعد الصدمة "PTSD"، وهي حالة نفسية تتسم باستمرار الضغط النفسي والانفعالي لفترة طويلة، خصوصًا بعد التعرض لأحداث مهددة للحياة.
ولا تقتصر الصدمة على كونها تجربة فردية، بل قد تكون جماعية أو بنيوية، كما في حالات الحروب، أو التمييز العنصري الممنهج، أو التهجير القسري. كما أن الوصم الاجتماعي والصمت الجمعي المحيط بالصدمة قد يزيدان من حدتها ويعرقلان عملية التعافي. وتختلف طرق فهم الصدمة والاستجابة لها من ثقافة إلى أخرى، الأمر الذي يستلزم مراعاة البعد الثقافي في تقديم الرعاية والدعم.
ومن هذا المنطلق، برز مفهوم "الرعاية المستنيرة بالصدمة "trauma-Informed Care" بوصفه توجهًا حديثًا في مجالات التعليم والرعاية الصحية والعدالة، يقوم على مبادئ أساسية مثل توفير الأمان، واحترام حرية الاختيار، وتعزيز التعاون، وبناء الثقة، وتمكين الأفراد المتأثرين بالصدمة.
أما مفهوم ما بعد الصدمة "Post-Trauma"، فيشير إلى الآثار النفسية والعاطفية والجسدية، وأحيانًا الروحية، التي تلي التعرض لتجربة مؤلمة. وقد لا تظهر هذه الآثار فورًا، بل قد تتأخر لأسابيع أو شهور أو حتى سنوات، وتختلف حدتها وشكلها من شخص لآخر. ومن أبرز سمات ما بعد الصدمة استعادة الذكريات الصادمة بصورة قهرية عبر الكوابيس أو الومضات الاسترجاعية، وتجنب كل ما يذكّر بالحدث المؤلم، إضافة إلى التبلد العاطفي أو الانفصال الوجداني عن الذات والآخرين، وفرط الاستثارة الذي يتجلى في الأرق وسرعة الانفعال وردود الفعل المبالغ فيها.
كما تؤدي الصدمة إلى زعزعة منظومات المعتقدات والقيم لدى الفرد، إذ قد تهز ثقته في البشر أو في العالم أو حتى في معتقداته الدينية والروحية. وتتجلى آثار ما بعد الصدمة في سياقات مختلفة، مثل معاناة المحاربين القدامى من نوبات هلع عند سماع أصوات تشبه الانفجارات، أو استمرار خوف ضحايا العنف الأسري حتى بعد مغادرة بيئة الإساءة، أو ظهور أعراض نفسية وسلوكية لدى اللاجئين والأطفال المهجّرين نتيجة فقدان الوطن والأمان. وقد تمتد الصدمة أيضًا إلى تجارب الكوارث الطبيعية أو الصدمات الطبية، حيث يظل الخوف ملازمًا للناجين حتى في المواقف اليومية.
ولا يشترط أن تتخذ الصدمة دائمًا شكل اضطراب نفسي واضح، إذ توجد أشكال أكثر خفاءً، مثل التغيرات السلوكية لدى الأطفال في البيئات المضطربة، أو الإرهاق الوجداني لدى المسعفين والعاملين في الطوارئ، أو الصدمة التالية للولادة لدى بعض الأمهات، والتي قد تُهمَل بسبب التوقعات الاجتماعية المرتبطة بالأمومة.
ويعتمد التعافي من الصدمة على مجموعة من العوامل، من بينها العلاج النفسي المتخصص، كالعلاج المعرفي السلوكي الموجّه للصدمة أو علاج إزالة التحسس وإعادة المعالجة بحركات العين "EMDR"، إلى جانب الأدوية عند الحاجة، وشبكات الدعم الاجتماعي، والانخراط في الأنشطة الإبداعية، وأحيانًا الممارسات الروحية التي قد تشكل مصدرًا للمعنى والشفاء لدى بعض الأفراد.
د. أشرف إبراهيم زيدان
رئيس قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب جامعة بورسعيد
الأستاذ الدكتور أشرف زيدان
الأستاذ الدكتور أشرف زيدان