هل يمكن أن يتجه الجنوب العالمي إلى «الجنون»؟

20-1-2026 | 12:27

ليس «الجنون» دائمًَا خروجًَا على العقل، وأحيانًَا يكون ذروة العقل حين يضيق بالمنطق السائد. ولعل القارئ يتذكر -كما أتذكر- مشاهد متفرقة بدت، كل واحدة منها، عاديًَة في وقتها، لكنها إذا جُمعت معًَا رسمت لوحةً مكتملًَة لخللٍ عميقٍ في العالم الذي نعيش فيه حاليًَا. دولة فقيرة تطالب بخفض دعم الخبز باسم الانضباط المالي، ودولة غنية تغدق المليارات على صناعاتها باسم الأمن القومي. وأسواق يُطلب من بعضها أن تفتح أبوابها على مصاريعها، فيما تُغلق أبواب أخرى حين تتعارض المنافسة مع المصالح. ولقاحات تُحتكر في الشمال، وصبر يُطلب من الجنوب. ليست هذه حكاياتٍ متفرقةً، بل فصول من كتابٍ واحدٍ.

من هنا، تبدو فكرة «جنون» الجنوب العالمي أقل استفزازًَا مما قد توحي به العبارة. فالجنون المقصود ليس انتحارًَا سياسيًَا، ولا قطيعةً مع العالم، بل لحظة شكٍ كبرى في مسلماتٍ وبديهياتٍ قُدمت طويلًَا باعتبارها قوانين طبيعيةً.

وهنا يطرح بقوة السؤال التالي: ماذا لو توقفت دول الجنوب العالمي عن الخلط بين الامتثال والحكمة، وبين الصبر والرضوخ؟

على مدى عقود، أُسند إلى هذه الدول دور «الطرف العاقل» في نظامٍ دوليٍ مضطربٍ. فالجنوب يجب أن يمتص الصدمات، ويتحمل التكاليف، في إطارٍ دائمٍ من "ضبط النفس". أزمات مالية خرجت من مراكز الرأسمالية، وأوبئة كشفت عمق اللامساواة، وأزمة مناخية صنعتها المصانع في الشمال، لكن الفاتورة وصلت إلى الجنوب. وكانت الوصفة، كما لو كانت محفوظةً في درجٍ واحدٍ، تشديدًَا ماليًَا، وتحريرًَا للأسواق، وثقةً مؤجلةً بأن الغد سيكون أفضل.

غير أن الزمن دار دورته، فإذا بالذين كتبوا هذه الوصفة أول من خالفها. عادت الحمائية، على يد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى قلب السياسات الاقتصادية الغربية، وتحولت التجارة إلى أداة ضغطٍ، والتكنولوجيا إلى ساحة صراعٍ، والعقوبات إلى لغةٍ يوميةٍ. بعبارةٍ أكثر وضوحًَا، تراجع "حراس النظام الليبرالي" عن قواعده، لكنهم لم يتخلوا عن مطالبة الآخرين بالالتزام بها.

من هذه الزاوية، يصبح «جنون» الجنوب اعترافًَا متأخرًَا بحقيقة النظام كما هو، لا كما يُروج له. فلماذا يُعد الدفاع عن «الاستقلال الإستراتيجي» فضيلةً في العواصم الكبرى، بينما يُنظر إليه كخطيئةٍ في عواصم الجنوب؟ ولماذا تُغفر القواعد حين تُكسر بأيدي الأقوياء، وتتحول إلى قيودٍ حين تلامس أيدي الضعفاء؟

إذا افترضنا -والافتراض هنا أقرب إلى التوقع- أن دول الجنوب قررت أن تنظر إلى العالم بالمنطق نفسه الذي يحكم سلوك الكبار، فإن أول ما سيتعرض للاهتزاز هو ما عُرف طويلًَا باسم إجماع واشنطن. ذلك الإطار لم يكن مجرد مجموعة وصفاتٍ اقتصاديةٍ، بل كان رؤيةً كاملةً للعالم، تقوم على تقليص دور الدولة في الاقتصاد، وتحرير السوق، وفتح الأبواب أمام رأس المال.

سجل هذا الإطار، عند الحساب، جاء متباينًَا. فقد نجح هنا وتعثر هناك، لكنه في كثيرٍ من الحالات ترك دولًَا أكثر هشاشةً وأشد انقسامًَا.

التشكيك في هذا الإطار اليوم ليس تمردًَا، بل مراجعةً تاريخيةً. فالتجربة أثبتت أن التنمية لا تسير على خطٍ مستقيمٍ واحدٍ، وأن بعض أنجح التجارب كانت تلك التي عرفت متى تنحرف عن الطريق المرسوم. بكلماتٍ أخرى، جنوب أكثر حزمًَا لن يعلن العداء للأسواق أو للعولمة، لكنه سيطالب بما سُلب منه طويلًَا. مساحة قرارٍ، وقدرة على ترتيب الأولويات، وحماية ما يعتبره إستراتيجيًَا.

ويمتد هذا المنطق إلى مؤسساتٍ ولدت في لحظةٍ تاريخيةٍ مختلفةٍ، وهي مؤسسات نظام بريتون وودز، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. هذه المؤسسات، التي صُممت لإدارة عالم ما بعد الحرب، تجد نفسها اليوم في عالمٍ آخر. هياكلها لا تعكس موازين القوة الراهنة، ووصفاتها كثيرًَا ما تبدو منفصلةً عن الواقع الاجتماعي والسياسي للدول المقترضة.

ومن هنا، فإن الدعوة إلى إعادة هيكلة الديون ليست هدمًَا للنظام، بل محاولة لإبقائه قائمًَا.

وقد يتجسد هذا التحول أيضًا في سياساتٍ تبدو صغيرةً، لكنها ذات دلالةٍ. فعلى سبيل المثال، لن يكون تقييد استيراد الكماليات، والاعتراف بأن الاستهلاك ليس معيارًَا للتقدم "مقاطعةً أيديولوجيةً"، بل "حساباتٍ باردةً في زمنٍ شحيحٍ".

وقد يبلغ هذا «الجنون» ذروته حين يلتقي الاقتصاد بالمناخ. فالجنوب يملك قسطًَا كبيرًَا من ثروات العالم الطبيعية، لكنه يقف في نهاية سلاسل القيمة، ويتحمل في الوقت نفسه وطأة تغيرٍ مناخيٍ لم يكن صانعه. وبالتالي، يمكن أن يكون ربط ديون الجنوب بالمسئولية البيئية للشمال، عبر مقاصةٍ أو آليات تمويلٍ مناخيٍ عادلةٍ، معادلةً ماليةً قابلةً للنقاش، وليس "حلمًَا أخلاقيًَا".

صحيح أن الجنوب ليس كتلةً واحدةً، وأن مصالح نخبٍ بعينها، وصعوبة التنسيق، تؤخر لحظة التحول. لكن التاريخ -وهو معلم قاسٍ- يقول إن الأنظمة لا تسقط حين تُتحدى صراحةً، بل حين تتآكل من الداخل، وحين تصبح الاستثناءات هي القاعدة.

بهذا المعنى، فإن «جنون» الجنوب العالمي، إذا جاء، لن يكون فوضى، بل إدراكًَا بأن الصبر بلا عدالةٍ ليس فضيلةً، وأن القواعد التي لا تُطبق إلا على الضعفاء لا تعيش طويلًَا. ولن يكون السؤال الذي يواجه صناع القرار في الشمال هو متى سيغضب الجنوب، بل إلى أي مدى يمكن للنظام الحالي أن يستمر قبل أن يفرض الواقع تعديلاته، شاء من شاء وأبى من أبى.

* رئيس وحدة العلاقات الدولية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة