وسط تحديات تواجه النظام العربي الجماعي، وفي الحقيقة النظام العالمي بأكمله، فإن أجندة الرجل القادم لشغل منصب أمين عام جامعة الدول العربية، يجب أن تعلن، يوم ترشيحه، في شهر مارس المقبل.
وأتمنى أن يكون البند الواضح بأجندته، تغيير ميثاق الجامعة، الذي تم وضعه عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، أكثر من ثمانين عامًا، ولا أقول إنه فشل كليًا، لكن سجل نجاحات، كما حقق خيبات.
هذا الميثاق مهما كان عظيمًا في الديباجة والأسلوب والغايات، لا يصلح لعالمٍ جديدٍ، تصدمنا تفاصيله وترهقنا متابعته، وتصيبنا كثيرًا بالدهشة. عالم يضع قواعده الآن، وتبحث فيه كل المنظمات في العالم عن لم شتاتها وتغيير البوصلة، حتى لا يكون دورها الوحيد الإسراع بتقديم أقوى ردود الأفعال.
كانت تلك الردود تُحترم سابقًا، ويُعمل حسابُها، ويُخشى منها أحيانًا. أما الآن فإن الولايات المتحدة الأمريكية غيرت كل هذه القواعد مرة واحدة وإلى الأبد.
أود لو تكون أولى مهام الوافد الجديد إلى رئاسة أمانة الجامعة، أخذ موافقة الأعضاء على تشكيل لجنة عربية من خبراء السياسة والمجالات كافة، موسعة لا بأس، لكتابة نصٍ جديدٍ، ثم تغربله لجنة عليا من الخبراء أنفسهم، تضع الصياغة النهائية.
والهدف الأمثل في تصوري هو الناس، المواطن العربي، وتحقيق رغباته، وأحلامه، واحترامه لنفسه، ولحاضره ولتاريخه العريق، وصولًا إلى احترام الآخرين له، ولتطلعاته المشروعة، على الأقل في حدود الإقليم.
وهذا الهدف يتحقق، اعتمادًا على ميثاقٍ جديدٍ، ورغبةٍ جادةٍ، بالتوصل إلى صيغة "عرب موحدون" فعليًا لا اسميًا فحسب.
يحدث ذلك بوضع برنامجٍ واضحٍ، محدد الأهداف، والمدة. فالجامعة منذ نشأتها الطويلة لم تضع برنامجًا نحو هدف يمكن الالتفاف حوله. وقدر قادتها الأوائل، أهدافها وطرق عملها، في مواد الميثاق العشرين، وفي مقدمها المادة الثانية: "الغرض من الجامعة توثيق الصلات بين الدول المشتركة فيها، وتنسيق خططها السياسية، تحقيقًا للتعاون بينها وصيانة لاستقلالها وسيادتها"، و"النظر بصفة عامة في شئون البلاد العربية ومصالحها، بحسب نظام كل دولة وأحوالها في الشئون الآتية".. وحدد الميثاق هذه الشئون بالاقتصادية والمالية والمواصلات والثقافية والاجتماعية والصحية. وهي شئون لم يرها المواطن على أرض الواقع إلا أماني، أو استثناءات نادرة، ولذلك وصمها الناس بجامعة الشجب والإدانة.
ربما الخلل في مواد الميثاق الذي ينص في مادته السابعة، على أن "ما يقرره مجلس الجامعة بالأكثرية يكون ملزمًا لمن يقبله".
ومبدئيًا فإن الجامعة لا تستطيع أكثر من ذلك، ليس لديها أركان عسكرية، لتحول الرفض والإدانة التي يسخر منها الرأي العام العربي إلى عملٍ عسكريٍ. كما أن ليس لدولها رغبة في التخلي عن الطموحات القطرية التي ربما تكون ضيقة، لصالح العمل الجماعي الواسع في السياسة والاقتصاد وغيرهما.
لدينا في أرشيف الجامعة غير قرارات الإدانة، توصيات غير ملزمة، ومشروعات طموحة، ولكن لتركز الجامعة ولو لمرة واحدة على الشعوب..
نريد جامعة عربية تسهم في تغيير شامل، أراه ضروريًا، بعد انكشاف العالم أمامنا، وحرب إسرائيل ضد غزة ولبنان واليمن وسوريا وإيران.
نحتاج إلى إعادة هيبة واستعادة كرامة مهدورة ومناعة ضد مشروعات مثل "إسرائيل الكبرى" والسلام المجاني "الإبراهيمي". والعمل مع الشعوب أو لصالحها سيكون أفضل، وسيخلق مناعة ممتازة، ولنترك القرارات السياسية العظيمة لكل دولة، ونركز على طموحات الشعوب.
نريد التفكير الجدي في تعديل الميثاق الحالي الذي يتطلب (مادة 19) موافقة ثلثي الدول، ونحتاج إلى تعديل "مسألة التوافق" حول القرارات، والتمسك بـ"مبدأ الإجماع"، إذ إن أزمات كثيرة أفرغت العمل المشترك من محتواه، بعد أن بات المبدأ هو "التوافق" حول القرارات.
أعود إلى ما يهم الإنسان العربي معيشيًا، لأن الحدود المفتوحة قريبة في أوروبا، ولا عزاء للمواطن العربي الذي لا يتحرك إلا بتأشيرة، أو مزاجيًا، إذا ما قررت دولة فتح حدودها أمام مواطني دول محددة.
نريد اتفاقية شبيهة بـ"شينجن" الأوروبية، ولتبدأ بين عدد من الدول، في سبيل انتشار كامل مع الزمن، ويلحق بذلك تنقل الأجانب بمعايير موحدة بين الدول الأعضاء.
بالنسبة للجمارك فقد عمل خبراء الجامعة طويلًا على الوصول إلى مرحلة "الاتحاد الجمركي"، بسبب أهميته نحو "سوق عربية مشتركة".. أسواقنا المحلية متشابهة، ولكن لا أعرف كيف أفسر الأسعار المتفاوتة في كل سوقٍ عربيٍ، فهل دخل المقيم في الإمارات أقل من مصر، لكي يشتري منتجات التكنولوجيا، والأجهزة الكهربائية وغيرها أرخص من الأسواق المصرية.
ولابد من تحقيق حرية التجارة، حيث يشتري المواطن من أي مدينة ما يريده بنفس السعر، في أي مكان، ويغادر إلى بلده، مع التقيد ببعض الرسوم الضريبية التي تحددها أي اتفاقية.
يتطلع المواطن للتنقل بالسيارة وشراءها من أي بلدٍ، وبأن تسري رخص القيادة المحلية، في كل بلدٍ عضوٍ بالجامعة، بدلًا من إجراءات الرخصة الدولية. إن حرية الانتقال تدعم مشروع السكك الحديدية الموحد، وحرية انتقال الأفراد والأموال. ولا تتحقق هذه الأهداف، من دون تغيير الميثاق والتدرج والفترات الانتقالية، وهي أهداف أهم بكثير من الإدانة والشجب والقلق.