لم تعد مصر تنتظر ليرسم الآخرون مسارها، ولم تعد تقنع بدور "رد الفعل"، بل اختارت أن تعطي زخماً جديداً لحضورها، من خلال "دبلوماسية نشطة"؛ مما ساهم في ترسيخ "الدور المحوري" لمصر في الشرق الأوسط.
ومثلما أنهت القاهرة العام الماضي بتوقيع اتفاق السلام في شرم الشيخ حول غزة، فإنها بدأت العام الجديد بتقدير ترامب وعرض الوساطة في أزمة السد الإثيوبي.
ولقد وجه ترامب، رسالة إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي، شكره فيها على "قيادته الناجحة" في التوسط بين إسرائيل وحماس، وقدم عرضاً للتوسط في أزمة مياه النيل. وجاء في رسالة ترامب للسيسي "أشكركم على قيادتكم الناجحة في التوسط لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، وأُقدّر وأُثني على دوركم الفاعل في إدارة التحديات الأمنية والإنسانية العديدة التي واجهت هذه المنطقة وشعبكم، منذ 7 أكتوبر 2023".
وأكد ترامب في رسالته "لقد أثرت هذه الحرب بشدة على المصريين، وليس فقط على جيرانهم في إسرائيل وغزة، وانطلاقاً من روح صداقتنا الشخصية والتزام أمريكا بالسلام ورفاهية الشعب المصري، فأنا على استعداد لاستئناف الوساطة الأمريكية بين مصر وإثيوبيا لحل مسألة تقاسم مياه النيل بشكل مسئول ونهائي".
وبعد جهود مكثفة ومقاومة هائلة لضغوط وإغراءات لمساومة مصر لتصفية القضية الفلسطينية، وتهجير أهل غزة، تمكنت مصر من أن تنتصر بفضل المبادئ، واستلهاماً لدورها التاريخي.
وبهذه "الصيغة التي لا تقول كل التفاصيل"، اختار وزير الخارجية بدر عبد العاطي أن يضع القضية العربية الأهم أمامنا، وهو يقدم شرحاً وافياً لجهود الدبلوماسية المصرية خلال عام 2025، في المؤتمر السنوي الأول حول السياسة الخارجية الذي نظمته مؤسسة الأهرام، ومجلة السياسة الدولية، والمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، ووزارة الخارجية والهجرة وشئون المصريين بالخارج.
ولعل أهم ما يمكن ملاحظته أن مصر تتبنى سياسة خارجية متعددة الأبعاد ترتكز على أولوية وقف إطلاق النار الفوري، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية الحيوية إلى الفلسطينيين في غزة، إلى جانب حملة دبلوماسية عالمية تهدف إلى حشد الدعم الدولي لإقامة دولة فلسطينية.
وكشف الوزير عبدالعاطي، عن تلقي الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، دعوة من نظيره الأمريكي دونالد ترامب، للانضمام إلى مجلس السلام في غزة، والذي يترأسه ترامب.
وقال عبدالعاطي، إن مصر تدرس هذا الأمر حالياً، وكذلك كل الوثائق التي تلقتها في الساعات الماضية والمتعلقة بدخول المرحلة الثانية من اتفاق غزة حيز التنفيذ والإعلان عن الكيانات الخاصة بالقطاع في المرحلة المقبلة.
وشدد الوزير المصري، على أن تشكيل مجلس السلام جزء لا يتجزأ من استحقاقات المرحلة الثانية وقرار مجلس الأمن الخاص بالمرحلة التالية في غزة، مشدداً على تقدير مصر لجهود ترامب لإحلال الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.
وأشار إلى أنه بدون الانخراط المباشر من ترامب في الشأن الفلسطيني وتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية سيكون من الصعب تنفيذ الأطراف لالتزاماتها على أرض الواقع، خاصة في ظل وجود انتهاكات يومية، وأكد أن "غياب ترامب يجعل الأمور في مهب الريح، وانخراطه هو الضمان الوحيد والرئيسي لتنفيذ الاستحقاقات والتزام الطرفين بتنفيذ تعهداتهما خاصة الانسحاب الإسرائيلي من غزة".
وتعيد مصر ترسيخ موقعها الإقليمي والدولي في فترة تشهد تحولات جيوسياسية متسارعة، مدفوعة بتوسع دورها الدبلوماسي، وتنامي شراكاتها الاقتصادية، وتعزيز أدوات سياستها الخارجية. فمن الوساطة في النزاعات إلى بناء شبكات تعاون عابرة للقارات، تعمل القاهرة على صياغة نهج خارجي أكثر حضوراً وفاعلية.
وفي ظل حالة عدم الاستقرار الإقليمي، يزداد الدور الدبلوماسي لمصر أهمية، فيما تعيد الدولة المصرية تأكيد مكانتها كقوة إقليمية خلال مرحلة حساسة من التحولات الجيوسياسية.
وأشار وزير الخارجية إلى الدور المصري الفاعل داخل المنظمات الدولية، والتزام مصر بدعم جهود تحقيق السلام والأمن على المستويين الإقليمي والدولي، والإسهام في بناء نظام دولي أكثر توازناً يقوم على احترام مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي.
واستعرض وزير الخارجية الدور المحوري لوزارة الخارجية في جذب الاستثمارات والترويج للاقتصاد المصري والفرص الاستثمارية الواعدة، فضلاً عن دعم نفاذ الصادرات والسلع المصرية إلى الأسواق الخارجية من خلال توفير المعلومات الأساسية للمستثمرين حول مناخ الاستثمار والفرص المتاحة في مصر. كما تناول أهمية البعد التنموي باعتباره ركناً أساسياً من أركان السياسة الخارجية المصرية، انطلاقاً من مبدأ التكامل بين أهداف السياسة الخارجية والخطط التنموية الشاملة للدولة، مشيراً إلى أن هذا التكامل يقع في صميم جهود التحديث الشامل لمؤسسات الدولة المصرية.
ويبقى أن الدبلوماسية المصرية لا ينقصها الإرث ولا الكوادر، بل لابد لها أن تعمل بقوة على تعزيز الخيال الإستراتيجي؛ أي القدرة على تخيّل مستقبل مختلف لمكانة مصر، ثم العمل المنهجي لصناعته، لا الاكتفاء بحماية ما تبقى من الماضي. ويعتقد البعض بضرورة العمل على خلق "سردية مركزية" حديثة تجمع التاريخ والدولة والمستقبل، وأن تولي اهتماماً كبيراً بالحضور الرقمي العالمي.
باختصار لابد من تعظيم قوة مصر الناعمة، وأن تكسب معركة السردية، والحضور الإعلامي والثقافي على المستوى الدولي لا الإقليمي فقط.
ولكي تصبح مصر "جاذبة" لا "مُدافِعة عن صورتها"، يجب أن تنتقل من موقع التبرير إلى منطق الإلهام. وأحسب أن مصر بتطلع قيادتها السياسية لمكانة متميزة لمصر، فلا شك أن مؤسسات الدولة، وبالأخص مؤسسة الدبلوماسية، سوف تجهد نفسها وتحشد "القوة الناعمة" المصرية لتقدم "مصر الملهمة" في محيطها وعلى الساحة الدولية.