لغز "ثواني الغياب".. لماذا يُظلم العالم في أعيننا عند الوقوف فجأة؟

20-1-2026 | 16:15
لغز  ثواني الغياب  لماذا يُظلم العالم في أعيننا عند الوقوف فجأة؟تغييم الرؤية عند الوقوف فجأة
إيمان محمد عباس

كثيراً ما يختبر البشر تلك اللحظة المربكة، فبمجرد النهوض السريع من وضعية الاستلقاء أو الجلوس المطول، يشعر المرء وكأن الأرض تميد به، وتغزو عينيه غشاوة سوداء قد تمتد لثوانٍ معدودة قبل أن يستعيد توازنه.

موضوعات مقترحة

هذه الظاهرة التي قد يراها البعض عارضة وبسيطة، تثير في أذهان الكثيرين تساؤلات حول كفاءة الدورة الدموية وصحة القلب، وهل هي مجرد رد فعل طبيعي للجاذبية أم أنها نذير لخطر طبي يستوجب الفحص والتدقيق الطبي المتخصص؟

 

معركة الجاذبية والدم داخل العروق

يقول الدكتور محمد فتح الله، استشاري أمراض الباطنة بجامعة عين شمس، إن هذه الظاهرة تُعرف طبياً باسم "هبوط ضغط الدم الانتصابي"، وهي ناتجة عن فشل مؤقت وسريع للجهاز الدوري في التكيف مع التغيير المفاجئ في وضعية الجسم.

ويضيف أن الجاذبية الأرضية تسحب الدم بشكل طبيعي نحو الأطراف السفلية عند الوقوف، مما يؤدي إلى نقص مؤقت في كمية الدم الواصلة إلى الدماغ، وهو ما يفسر الشعور بالدوار أو زغللة العين المفاجئة التي تستمر للحظات وجيزة قبل أن يتدخل الجسم لتصحيح المسار.

ويستطرد موضحاً أن الجسم البشري يمتلك "مستشعرات ضغط" فائقة الدقة تسمى المستقبلات الضغطية، توجد في الشرايين الرئيسية وتعمل فور الوقوف على إرسال إشارات للمخ لرفع معدل ضربات القلب وتضييق الأوعية الدموية لضخ الدم للأعلى. ويؤكد أن التأخر في استجابة هذه المستشعرات هو ما يسبب النوبة، مشيراً إلى أن هذه الحالة قد تكون طبيعية تماماً إذا حدثت بشكل متباعد، لكن تكرارها بصفة يومية يتطلب وقفة طبية لمعرفة المسبب الخفي وراء تباطؤ رد فعل الجهاز العصبي اللاإرادي.


تغييم الرؤية عند الوقوف فجأة

المسببات الخفية وراء الدوار المفاجئ

ويلفت الدكتور محمد فتح الله إلى أن الجفاف يعد من أكثر الأسباب شيوعاً لهذه الدوخة، حيث إن نقص السوائل يقلل من حجم الدم الكلي في الجسم، مما يصعب مأمورية القلب في إيصال الأكسجين للدماغ عكس اتجاه الجاذبية. ويشير إلى أن التقدم في العمر يلعب دوراً محورياً أيضاً، حيث تفقد الأوعية الدموية مرونتها الطبيعية وتصبح الاستجابة العصبية لتغير الوضعية أقل كفاءة مما كانت عليه في سن الشباب، وهو ما يجعل كبار السن أكثر عرضة للسقوط والإصابات نتيجة هذه النوبات.

ويحدد استشاري أمراض الباطنة بجامعة عين شمس مجموعة من العوامل الأخرى التي تزيد حدة هذه الظاهرة، وعلى رأسها الأنيميا ونقص الحديد، بالإضافة إلى تناول بعض الأدوية مثل مدرات البول وعلاجات ضغط الدم المرتفع التي قد تخفض الضغط بشكل زائد عن الحد. ويستكمل حديثه مبيناً أن اضطرابات الغدد الصماء، بخاصة مشاكل الغدة الكظرية أو نقص السكر في الدم، قد تكون سبباً غير مباشر يجعل الجسم غير قادر على موازنة ضغطه الشرياني بسرعة كافية عند الحركة المفاجئة من السكون.

اقرأ أيضا:

«جسمك أمانة».. كيف نُعلّم أطفالنا حماية حدودهم؟

صرخة صمت من المعدة.. متى يتحول فقدان الشهية من عارض عابر إلى نذير خطر يهدد الحياة؟

 

نواقيس الخطر وطرق المواجهة

ويحذر الدكتور محمد فتح الله من التهاون في حال ارتبطت هذه الدوخة بأعراض أخرى مثل فقدان الوعي الكامل، أو آلام الصدر، أو ضيق التنفس، مؤكداً أن هذه العلامات قد تشير إلى وجود مشاكل هيكلية في صمامات القلب أو اضطراب في ضرباته. ويشدد على ضرورة استشارة الطبيب لإجراء رسم قلب وفحوصات شاملة إذا كان الدوار يتبعه غثيان شديد أو صداع حاد، لأن الأمر حينها قد يتجاوز مجرد هبوط ضغط بسيط إلى مشاكل في الجهاز العصبي المركزي أو الأذن الداخلية.

ويردف مقدماً نصائح وقائية للمواطنين، حيث يطالب بضرورة النهوض بشكل تدريجي، بخاصة عند الاستيقاظ من النوم، عبر الجلوس على طرف السرير لدقيقة قبل الوقوف التام لمنح الجهاز الدوري فرصة للتأقلم. ويلفت إلى أهمية شرب كميات كافية من المياه على مدار اليوم للحفاظ على حجم الدم، مع تجنب الوقوف لفترات طويلة دون حركة، وممارسة الرياضة التي تقوي عضلات الساقين، كونها تعمل كـ "مضخة ثانوية" تساعد في دفع الدم من الأسفل إلى الأعلى بكفاءة أكبر.


تغييم الرؤية عند الوقوف فجأة

ويختتم استشاري الباطنة بجامعة عين شمس تصريحاته بالتأكيد أن الوعي بطبيعة أجسامنا هو الخط الأول للدفاع عن صحتنا، مشيراً إلى أن "الدوخة عند الوقوف" هي رسالة تنبيه من الجسم تدعونا للاهتمام بالتروية الغذائية والراحة. ويوضح أن معظم الحالات تتحسن بشكل جذري بمجرد تعديل العادات اليومية البسيطة، لكن يظل الفحص الطبي هو الفيصل لضمان عدم وجود أسباب عضوية تستدعي التدخل العلاجي المكثف لحماية الدماغ والقلب من تبعات نقص التروية المتكرر.

موضوعات قد تهمك:

ماذا يحدث للجسم إذا تناولت نفس الإفطار يوميًا؟.. مخاطر غير متوقعة

كيف تفرق بين الجوع الحقيقي والنفسي؟.. خطوة أساسية للحفاظ على وزن صحي

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: