يعاني الكثيرون من لحظات مفاجئة يشعرون فيها بثقل جاثم على صدورهم، وكأن الهواء قد انسحب من الغرفة تمامًا، أو أن رئتيهم توقفتا عن استيعاب الأكسجين، رغم أن الفحوصات الطبية والتحاليل العضوية تؤكد سلامة القلب والجهاز التنفسي تماماً.
موضوعات مقترحة
هذا "الاختناق الوهمي" أو "الجوع للأكسجين" يفتح الباب أمام تساؤلات حائرة حول طبيعة العلاقة بين الضغوط الذهنية والردود الفسيولوجية للجسم، وهل يمكن للعقل حقاً أن يصنع ضيقاً في التنفس يفوق في حدته أزمات الربو الحقيقية؟
آلية الربط بين النفس والجسد
يقول الدكتور إبراهيم مجدي، استشاري الأمراض النفسية، إن الشعور بالاختناق دون وجود سبب عضوي واضح هو واحد من أكثر الأعراض الجسدية (السيكوسوماتية) شيوعاً في العيادات النفسية، مشيراً إلى أن هذا العرض غالباً ما يكون مرتبطاً باضطرابات الهلع أو القلق العام.
وأضاف أن الجسم عندما يتعرض لضغط نفسي شديد، يقوم الجهاز العصبي الودي بتفعيل استجابة "الكر أو الفر"، مما يؤدي إلى تسارع ضربات القلب وتشنج العضلات المحيطة بالصدر، وهو ما يعطي المريض إيحاءً كاذباً بوجود انسداد في الممرات الهوائية.
واستطرد موضحًا أن المريض في هذه الحالة يدخل في حلقة مفرغة، حيث يبدأ بملاحظة ضيق بسيط في التنفس، فيزداد قلقه وتوتره، مما يدفع المخ لإرسال إشارات بوجود خطر داهم، فتزداد سرعة التنفس (النهجان)، وهو ما يؤدي إلى انخفاض نسبة ثاني أكسيد الكربون في الدم.
وأكد الدكتور مجدي أن هذا الانخفاض تحديدًا هو المسئول عن الشعور بالدوخة، وتنميل الأطراف، وزيادة الإحساس بالاختناق، مما يجعل المريض يتوهم أنه على وشك الموت أو الإصابة بنوبة قلبية وشيكة.
ضيق التنفس
الأعراض النفسية المقنعة في ثوب عضوي
ولفت استشاري الأمراض النفسية إلى أن هناك فروقًا جوهرية بين الضيق العضوي والنفسي، حيث إن الاختناق النفسي غالبًا ما يزداد في أوقات الراحة أو قبل النوم حين يبدأ الإنسان في استرجاع أفكاره، بينما يقل أو يختفي تمامًا عند انشغال الشخص بعمل بدني أو ذهني محفز.
وأشار إلى أن التشخيص يبدأ دائمًا باستبعاد الأسباب العضوية أولاً من خلال طبيب الصدر أو القلب، فإذا كانت النتائج سليمة، يصبح من الضروري التوجه فورًا للمتخصص النفسي للبحث في جذور الصراعات الداخلية المكبوتة التي تترجم نفسها في صورة هذا الضيق.
وحدد الدكتور إبراهيم مجموعة من المسببات النفسية التي تؤدي لهذا الشعور، ومن أبرزها التراكمات النفسية المزمنة، وفقدان الأمان، أو التعرض لصدمات عاطفية مفاجئة لم يتم التعامل معها بشكل صحيح، مما يجعل "الصدر" هو المستودع الذي تنفجر فيه تلك الضغوط.
واستكمل حديثه بأن بعض الشخصيات "الكمالية" التي تسعى دائماً للسيطرة على كل مجريات حياتها تكون أكثر عرضة لهذا النوع من الأعراض، لأن عجزها عن التحكم في بعض الظروف الخارجية يتحول إلى ضغط داخلي يظهر كضيق في التنفس.
اقرأ أيضا:
تسارع ضربات القلب عند الاستيقاظ.. جرس إنذار صامت يحتاج للانتباه
احرص عليها.. أطعمة صحية تعزز اليقظة والتركيز أكثر أمانًا من القهوة
خارطة الطريق نحو التعافي
وحذر الدكتور مجدي من تجاهل هذه الأعراض أو الاعتماد فقط على المهدئات الوقتية دون علاج السبب الجذري، مؤكداً أن إهمال العلاج النفسي قد يؤدي إلى تطور الحالة من مجرد ضيق تنفس عابر إلى اضطراب الهلع المزمن الذي قد يعيق الإنسان عن ممارسة حياته اليومية أو الخروج من المنزل.
وأوضح أن العلاج يرتكز على محورين أساسيين: الأول هو العلاج الدوائي البسيط الذي يعمل على ضبط كيمياء الدماغ، والثاني هو العلاج السلوكي المعرفي الذي يعلم المريض كيف يواجه أفكاره الانتحارية أو المخاوف المبالغ فيها.
وأردف قائلاً إن ممارسة تمارين التنفس العميق (التنفس الحجابي) تلعب دوراً سحرياً في تهدئة الجهاز العصبي، حيث تمنح الدماغ إشارة أمان فورية، مما يساعد في فك تشنج عضلات الصدر وعودة النفس لمجراه الطبيعي.
وشدد على أهمية تغيير نمط الحياة، من خلال تقليل المنبهات مثل الكافيين، والابتعاد عن بيئات التوتر المستمر، وممارسة الرياضة التي تساعد في تفريغ الطاقة السلبية وتنشيط الدورة الدموية بشكل صحي ومنتظم.
واختتم الدكتور إبراهيم مجدي تصريحاته بالتأكيد أن النفس والجسد وجهان لعملة واحدة، وأن الاهتمام بالصحة النفسية ليس رفاهية، بل هو ضرورة لحماية الأعضاء العضوية من التلف الناتج عن التوتر المزمن. ونصح كل من يشعر بـ "خنق" الصدر المتكرر رغم سلامة رئتيه، بأن يتصالح مع مشاعره، وألا يتردد في طلب المساعدة المتخصصة، لأن التنفس بعمق يبدأ أولاً بقلب مطمئن وعقل هادئ.
موضوعات قد تهمك:
ماذا يحدث للجسم إذا تناولت نفس الإفطار يوميًا؟.. مخاطر غير متوقعة
كيف تفرق بين الجوع الحقيقي والنفسي؟.. خطوة أساسية للحفاظ على وزن صحي