بعض التكريمات التي تُمنح لرموزٍ مصريةٍ من مهرجاناتٍ أو مؤتمراتٍ عربيةٍ أو أجنبيةٍ، لا يمكن التعامل معها بوصفها لحظةً احتفاليةً عابرةً، أو مجاملةً ثقافيةً بلا مضمونٍ. فهذه التكريمات تحمل في طياتها دلالاتٍ أعمقَ، تتجاوز الشخص المُكرَّم إلى التجربة التي يمثلها، وإلى القيمة التي أضافها في زمنٍ كان فيه للفعل الثقافي وزنٌ وتأثيرٌ.
ومن المؤسف أن تنجرف بعض القراءات إلى التقليل من شأن هذه التكريمات، أو إلى جلد الذات باستدعاء لحظات التجاهل التي طالت تلك الرموز حين خفت وهج الضوء من حولها، وكأن الاعتراف المتأخر ينتقص من القيمة، لا يؤكدها.
تابعتُ حفل «جوي أوورد» وأنا أصفق بصدقٍ، حين صعد الفنان الكبير فاروق حسني لتسلُّم جائزة الإنجاز مدى الحياة من المستشار تركي آل الشيخ. كان التصفيق نابعًا من قناعةٍ راسخةٍ بأن هذا التكريم لا يخص شخصًا بقدر ما يخص مرحلةً كاملةً من تاريخ الثقافة المصرية والعربية.
فاروق حسني لم يكن وزيرًا تقليديًا، بل كان صاحب مشروعٍ، ورؤيةٍ، وقدرةٍ على تحويل الثقافة إلى قوةٍ ناعمةٍ عابرةٍ للحدود، جعلت من مصر مرجعيةً ثقافيةً حقيقيةً في محيطها العربي.
في عهده، تحول معرض القاهرة الدولي للكتاب إلى منصةٍ عربيةٍ كبرى، لا مجرد فعاليةٍ محليةٍ، وأصبحت المعارض الفنية المصرية حاضرةً بقوةٍ في الفضاء العربي، كما دعم إنشاء متاحف ومؤسسات ثقافية في أكثر من دولةٍ عربيةٍ. والأهم أنه فتح آفاق تعاونٍ مصريٍ–عربيٍ لا تزال قائمةً حتى اليوم، عبر مهرجاناتٍ نوعيةٍ، في مقدمتها مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، الذي أسسه، وبنى مجده، ووضعه على خريطة المسرح العالمي، ليصبح ملتقىً للأفكار الجريئة والتجارب المختلفة.
فاروق حسني – وأكتب الاسم مقرونًا بحفظ اللقب – قاد مرحلةً تنويريةً مهمةً في تاريخ مصر الحديث، والاعتراف بذلك ليس ترفًا ولا مجاملةً، بل ضرورةٌ تاريخيةٌ. أستعيد، من موقع الشاهد، بداياتي في العمل الصحفي، حين كنت أذهب إلى مكتبه بالزمالك، لا لأقف خلف أبوابٍ مغلقةٍ، بل لأجده يخرج إلينا، نحن الصحفيين، فردًا فردًا أو في مجموعاتٍ صغيرةٍ، يحدثنا عمّا يجري، ويشرح ما يُخطط له، ويدعونا إلى الفعاليات عبر تليفونات وفاكسات ذلك الزمن. لم يكن يبخل بإجابةٍ، ولم يتهرب من سؤالٍ.
كان حاد الطبع أحيانًا، يغضب إذا ما انتقص أحدٌ من قيمة الثقافة المصرية، أو من شأن كتابٍ، أو مهرجانٍ، لكنه في المقابل كان هادئًا في الإصغاء، دقيقًا في التفكير، واسع الأفق في التحليل. وربما كان هذا المزيج أحد أسباب استمراره وزيرًا للثقافة سنواتٍ طويلةً، في زمنٍ لم تكن فيه الثقافة ملفًا هامشيًا، بل قضية دولةٍ.
ولنكن منصفين: ما قدمه فاروق حسني يصعب تكراره في عهودٍ لاحقةٍ، لا تقليلًا من شأن من جاؤوا بعده، بل لأن الظروف التاريخية، وطول مدة توليه، واتساع الصلاحيات، كلها عوامل مكّنته من البناء والتأسيس.
الثقافة ليست مشروعًا عمرانيًا يُنجز في عامين أو ثلاثةٍ، بل بناء فكري تراكمي، يهدم إذا تغيّر مع كل تبديلٍ وزاريٍ متعجلٍ. ومن ثم لا أتمنى أن يتم التعجيل بهدم فكر وزيرٍ مثل الدكتور أحمد فؤاد هنو في التغييرات الوزارية المرتقبة كونه وضع لبنات إعادة هيكلة قطاعاتٍ عدةٍ في وزارة الثقافة، وأن تترك له حرية التغيير كما بدأها بإقالات وتعديلات وتغييرات ظهرت لها نتائج إيجابية.
إذ إن سر نجاح فاروق حسني طيلة فترة عمله أنه امتلك زمام وزارته، فخطط وبنى وهو مطمئنٌ. حوّل هيئة الآثار المصرية إلى المجلس الأعلى للآثار، وقاد أكبر حركة تنقيب وترميم وإنشاء متاحف في تاريخ مصر الحديث، شملت كل العصور: الفرعونية، واليونانية، والرومانية، واليهودية، والقبطية، والإسلامية. من ترميم تمثال أبي الهول وهرم خفرع، إلى تطوير أهرامات الجيزة ودهشور، ومقابر وادي الملوك، ومعابد الأقصر والكرنك، والدير البحري، وسيتي الأول، وانتشال الآثار الغارقة بسواحل الإسكندرية.
كما شهد عهده تطوير البنية الثقافية والفنية، من ترميم المسارح التاريخية، إلى إنشاء متاحف قومية وإقليمية، وإطلاق مشروعاتٍ كبرى مثل المتحف المصري الكبير، ومتحف الحضارة، ومشروع القاهرة التاريخية، فضلًا عن تأسيس مكتباتٍ عامةٍ، ومشروعاتٍ للقراءة، ومراكز للإبداع، ومهرجاناتٍ سينمائيةٍ وموسيقيةٍ ومسرحيةٍ، لا تزال تشكل العمود الفقري للحياة الثقافية المصرية.
من هنا، فإن تكريم فاروق حسني اليوم ليس مجرد استعادةٍ لاسمٍ، بل اعترافٌ بتجربةٍ، وتأكيدٌ على أن ما يُبنى بالوعي والرؤية لا يسقط بالتقادم، وأن الثقافة، حين تُدار بعقل الدولة، تترك أثرًا يتجاوز الزمن.