منذ وقوع العدوان الأمريكي البغيض على فنزويلا فجر يوم 3 يناير، ارتسمت علامة استفهامٍ -طويلة عريضة- في سماء كل أنحاء العالم، عما سوف يحدث بكوبا، وهل ستلقى هافانا المصير الإجرامي، نفسه، الذي تعرضت له حليفتها كاراكاس؟!
في كل مرةٍ زرت فيها كوبا (2006-2023-2025)، كنت أطلب ترتيب زياراتٍ إلى معالم محددةٍ، تميزها عن دول العالم. في مقدمتها، متحف البطل القومي خوسيه مارتي (1853-1895)، كذلك، ضريح الثائر الأممي الأيقونة تشي جيفارا (1928-1967)، وأيضًا، مركز ومتحف قائد الثورة الكوبية فيدل كاسترو (1926-2016).
لم أزر فنزويلا، غير أني قرأت الكثير عن بطلها القومي، قائد حركات التحرر في دول أمريكا اللاتينية، سيمون بوليفار (1783-1830)، تحديدًا، بعد تخليد ذكراه بإقامة نصبٍ تذكاريٍ وتمثالٍ له في ميدانٍ يحمل اسمه بقلب القاهرة عام 1979. خوسيه مارتي كان لاتينيًا مخلصًا، وتلميذًا نجيبًا لأفكار بوليفار، وكان يحلم بوطنٍ موحدٍ ومتضامنٍ، ووصف مارتي شعوب أمريكا اللاتينية غير الموحدة بأنها لن تصبح -أبدًا- من الأمم المحترمة، التي تتمتع بتقاسم المصالح والثقافات.
إرث بوليفار ومارتي ظل ملهمًا، ورمزًا تتناقله الأجيال، لقيم الحرية والاستقلال، والنضال ضد الاستعمار، بالإضافة إلى حلم الوحدة في قارة أمريكا اللاتينية، وصولًا لعصرنا الحديث حيث حمل لواء الحرية كل من: تشي جيفارا وفيدل ورؤول وميجيل دياز كانيل في كوبا، بالإضافة لهوجو تشافيز ونيكولاس مادورو وغيرهما بفنزويلا.
قبل حدوث جريمة اختطافه هو وقرينته، وبمناسبة حلول الذكرى الـ 67 لانتصار الثورة الكوبية، وجه الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو رسالة تهنئةٍ إلى نظيره الكوبي ميجيل دياز كانيل، جاء فيها نصًا: "إن فنزويلا وكوبا، المتحدتين بالإرث التاريخي لسيمون بوليفار وخوسيه مارتي، وبالإخوة التي لا تنفصم بين القائدين هوجو تشافيز وفيدل كاسترو، تؤكدان التزامهما الثابت بمواصلة السير معًا، كدولتين شقيقتين، دفاعًا عن السيادة والسلام والاشتراكية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، من دون وصايةٍ أو إملاءٍ في مواجهة محاولات حصار منطقة الكاريبي".
بعد مرور يومين فقط من توجيه هذه الرسالة، هاجمت القوات الأمريكية العاصمة الفنزويلية، كاراكاس، واختطفت الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، وهو الأمر الذي اعتبره بعض المعلقين رصاصة الرحمة على ما تبقى من احترامٍ لمبادئ القانون الدولي، وسيادة الدول، ومبدأ عدم التدخل في شئونها الداخلية، وهي المبادئ التي تأسس عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945.
هنا أعود إلى السؤال، هل يأتي الدور على كوبا في ضوء علاقة التحالف الوثيقة بين كاراكاس وهافانا، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، تحديدًا منذ انتخاب تشافيز رئيسًا للجمهورية البوليفارية في عام 1998، لتصبح الحليف الأقرب لكوبا بالأمريكتين. بموجب هذا التحالف، تقوم كوبا بإرسال آلاف الكوادر الطبية والتعليمية لفنزويلا، في المقابل، تحصل هافانا على النفط بأسعارٍ زهيدةٍ. وبعد محاولة الانقلاب الفاشلة ضد تشافيز عام 2002، وفرت كوبا الحماية الشخصية، والدعم الاستخباراتي. واستمرت هذه الحماية في عهد سلفه نيكولاس مادورو. من هنا يمكن فهم خبر استشهاد 32 ضابطًا كوبيًا، في أثناء الجريمة النكراء لاختطاف الرئيس وقرينته.
الرئيس الأمريكي ترامب وصف كوبا بأنها دولةٌ فاشلةٌ، مؤكدًا أنها "على وشك السقوط، وعاشت سنواتٍ طويلةً على كمياتٍ هائلةٍ من النفط والأموال من فنزويلا، والآن، ستتوقف الإمدادات، وعليها إبرام صفقةٍ مع واشنطن، قبل فوات الأوان". ردًا على تهديدات واشنطن لهافانا، وصف الرئيس الكوبي دياز كانيل أفعال ترامب بإرهاب الدولة، مشيرًا إلى أن كوبا دولةٌ حرةٌ ومستقلةٌ وذات سيادةٍ، ولا أحد يملي على الكوبيين ما يفعلونه، وأنهم مستعدون للدفاع عن وطنهم حتى آخر قطرة دمٍ.
الدفاع عن الجزيرة الكوبية حتى آخر قطرة دمٍ، عبرت عنه -بكل شجاعةٍ ووضوحٍ- الدكتورة ألييدا جيفارا، نجلة الثائر الأممي الأيقونة، أرنيستو تشي جيفارا، بقولها نصًا: "أنا طبيبةٌ وقد شاب شعري، لكني ما زلت أجيد إطلاق النار، الولايات المتحدة ألحقت أضرارًا كثيرةً بكوبا منذ أكثر من 6 عقودٍ، لكنها لم تكسر إرادتها".
في السابق، تنبأ مسئولون في واشنطن بنهاياتٍ وشيكةٍ لحكومة الثورة الكوبية منذ انتصارها في عام 1959، وهو ما لم ولن يحدث. فإدارة أيزنهاور كانت على يقينٍ من أن خفض حصة السكر الكوبي سيحقق النهاية، في الوقت نفسه، اعتقد كينيدي أن عملياتٍ سريةً لوكالة المخابرات، إضافةً لفرض حصارٍ اقتصاديٍ ستفي بالغرض.
أيضًا، اعتقد جونسون أن انضمام أمريكا اللاتينية وأوروبا إلى الحصار سيكون كافيًا، وقد ظن بوش الأب أن انهيار الاتحاد السوفيتي سيحقق هذا الهدف، بينما اعتقد بوش الابن أن وفاة فيدل كاسترو ستفي بالغرض، حتى جاءت ولايتا ترامب -الأولى والثانية- متوقعًا أن خسارة النفط الفنزويلي سيحقق نهايةً للنظام الكوبي.
وكالة أنباء رويترز نقلت عن مسئولين بالاستخبارات الأمريكية أن الاقتصاد الكوبي في وضعٍ سيئٍ جدًا، ومع ذلك، فإن هذا التدهور، على خطورته، لا يعني تلقائيًا انهيارًا وشيكًا للنظام السياسي، بل يبقى احتمال السقوط غير محسومٍ. من ناحيةٍ أخرى، حذر محللون مستقلون من أن أي تراجعٍ إضافيٍ في الإمدادات النفطية ستكون له آثارٌ قاسيةٌ على الاقتصاد الكوبي وحياة السكان اليومية، لكنه سيخلق حافزًا لدى هافانا، للبحث عن بدائل وتنويع الشركاء، لا مجرد الاستسلام.
في تحليلٍ نشرته مجلة Responsible Statecraft الأمريكية، جاء فيه "يبدو أن ترامب بدأ يدرك أن كوبا حالةٌ أصعب من فنزويلا. وتحدث في الأيام الأخيرة قائلًا: "إنهم شعبٌ قويٌ"، واعترف بأن كوبا قد خالفت التوقعات السابقة بانهيارها. وإذا تبين أن تهدئة فنزويلا أصعب مما يتوقعه ترامب، فقد يتردد في خوض مشروع بناء دولةٍ ثانٍ، بينما لا يزال المشروع الأول يعاني من تفاقم الأوضاع".
اختتمت المجلة تحليلها بالإجابة على سؤالٍ بدأت به هذا المقال: "من خلال ترسيخ "مبدأ مونرو" للسياسة في أميركا اللاتينية، يبدو أن الولايات المتحدة ستضطر إلى إعادة استيعاب الدرس الأساسي للاستعمار، بأن لا أحد يرغب في أن يملي عليه الأجانب كيفية إدارة شئونه.. سيقاومون بشكلٍ غير نشطٍ ثم بفعاليةٍ.. وفي النهاية سينتصرون. وبغض النظر عن تفوق القوة العسكرية للأجانب، سيملون من الحرب التي لا تنتهي، ويعودون إلى ديارهم، تمامًا كما فعل البريطانيون في عام 1783".
[email protected]