"هذا أنا" فرصة جديدة في حياة صلاح دياب

19-1-2026 | 13:52

أعتبر نفسي من هواة القراءةِ لكني أفضل دائمًا السيرَ الذاتيةَ، لذلك أستطيع أن أؤكد أن مذكراتِ صلاح دياب التي حملت عنوان "هذا أنا" فتحت بابًا جديدًا في عالم كتابة السير الذاتية، ويرجع ذلك إلى الاختلاف، والبعد عن النمط التقليدي، والابتعاد عن تقديس صاحب المسيرة، والاعتراف بالفضل والاعتراف بالخطأ كذلك.

صلاح دياب الذي يعرفه معظمنا، معرفة غير شخصية بالطبع، لكنك تعرفه عبر أعماله ونشاطاته، كما يقول هو نفسه في مذكراته التي حملت عنوانًا ملائمًا جدًّا، فهو يقدم هنا إنسانًا يخفق وينجح، يتهور ويتروى، يصيب ويخطئ، يغضب ويسامح.

فالقارئ هنا أمام شخص حقق نجاحًا يعرفه الجميع، لكن بين تلك الصفحات مفاجآتٍ لا يتصورها من يمسك بالكتاب للمرة الأولى، فكم منا يعلم، أو بمعنى أصح هل كان أحد يعلم أن دياب هو صاحب الفضل الأول في عودة العلاقات المصرية-الأمريكية بعد حرب أكتوبر؟! هل كان يظن أحدهم أن بعد سنوات طويلة من العمر المليء بالنجاح والتجارب يأتي السجن ليغير نظرته للحياة أو تجعله يعيد تقييمه للأمور.

الكثير من المعلومات في هذا الكتاب لا تخص المؤلف وحده، وإنما تخص فترة مهمة من تاريخ مصر الحديث، وهي فترة بدأت مع جده وليس معه هو فقط حملت تغييرات سياسية واقتصادية كلها تأتي من خلال سرد سلس ليس فيه تعالٍ، بل ربما بعض الحميمية، مما يجعله وثيقة غير رسمية لفهم تحولات مصر الاقتصادية والسياسية والإعلامية على مدى عقود طويلة.

يميل هذا الكتاب إلى كونه اعترافات أكثر منه مذكرات، فدياب خصص مساحة كبيرة منه لرواية مغامراته في عالم الأعمال، ولا يخجل من الثمن الذي دفعه كاملاً بنفسه مقابل تلك المغامرات في أي مجال طرقه خاصة في بداية اتجاهه إلى العمل الخاص، والحصول على رأس مال لأفكاره التي كانت أغلبها خارج الصندوق، وخاصة أن توجهاته كانت وربما ما زالت غير متوافقة مع سياسيات الدولة.

ما يميز صاحب الكتاب أنه لم يعش في قالب واحد في عالم المال فتجاربه وإخفاقاته قبل نجاحاته شملت مجالات عديدة بعضها له علاقة بالآخر والبعض الآخر لا يمت بصلة لغيره، لكن الخسائر كانت دائمًا دروسًا استفاد منها، وربما كانت السبيل للنجاح اللاحق، كما أنه شخص لا يستسلم بسهولة فلا يقبل الهزيمة، وإن درس أمرًا جيدًا يثابر ويعافر ويستخدم أساليب وسياسات أخرى حتى يحقق ما يصبو إليه.

يظهر جليًّا الدرس الأكبر في حياة رجل الأعمال وهو اغتنام الفرص، الذي يعتبره أكبر ميزة لديه والعامل الأكبر في نجاحه في شتى المجالات التي حفر فيها طرقًا فنجح وتميز واحتفظ لنفسه فيها بمكانة مميزة. لم ينس كذلك ذكر بعض الشائعات التي طالته وبرهن بدلائل لا يمكن لعين أن تخطئها أنها كانت مؤامرات ضعيفة لم يحبكها صانعها فانهارت مع مرور الوقت، قبل حتى أن يفكر دياب في كتابة تلك المذكرات، ورغم التحديات التي تعرض لها إلا أنه كان وما زال ليس معارضًا صريحًا، ولكنه لا يعادي الدولة، وإنما يختلف معها فهو يتبنى دائمًا سياسة الإصلاح من الداخل، والذي لم يعد هناك مجال للمزايدة عليه؛ لأن هذه المذكرات أوضحت مدى وطنيته والتي لا تنفصل عن الجانب العاطفي لديه.

"هذا أنا" سيرة ذاتية هامة خاصة للمهتمين بالاقتصاد والسياسة، فدياب قدم النصيحة غير المباشرة ليس بالتنظير وإنما بالتجربة، فلم يكن مراقبًا بل كان فاعلاً مباشرًا في الأحداث من خلال معاصرته لدوائر القرار والمال والإعلام.

كذلك قدم تبسيطًا للعلاقة بين الاقتصاد والسياسة التي يصعب على غير المتخصص فهمها بسهولة، فينقل خلاصة تجربته دون اللجوء إلى مصطلحات معقدة كاشفًا آليات غير مكتوبة تحكم الاستثمار والإعلام. تتميز المذكرات عن غيرها بالبعد عن التلميع وإيثار الصراحة في الحديث عن الأخطاء والأزمات القانونية والصدام مع بعض مؤسسات الدولة؛ مما يعطي الكتاب مصداقية رغم أن الواضح منها أنها لا تريد من القارئ أن يصدق صاحبه، بل أن يفهم منطقه وتجربته، وهو في حد ذاته مكسب معرفي.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة