بداية الشذرات هى القطع الصغيرة من الذهب، كما فى معجم المعانى الجامع.. ويقال لم يقرأ إلا شذرات من الكتاب.. يعنى لم يقرأ إلا فقرات منه.. وما أكتبه اليوم هو شذرات من تاريخ الفنان فاروق حسنى، وزير الثقافة الأسبق، وما أضافه إلى الثقافة، والإبداع المصرى.
١- كنت فى طريقى إلى حى الزمالك لحضور افتتاح متحف الفنان فاروق حسنى تملكنى شعور بالسعادة لأننى توقعت أننى سأرى شيئا من الإبداع والجمال وسط عالم أصبحنا نفتقد اليوم فيه كثيرًا من مثل هذا الإحساس خاصة نحن الصحفيين جريًا وراء ما يحدث فى العالم من توترات وصراعات.
وبالفعل رأيت ما توقعت وسيطر علي إحساس بالحب لكل ما هو جميل فى الحياة.. وأنا أرنو إلى لوحات وأعمال فنية تتجسد فيها روعة الألوان وما أدراك ما ألوان فاروق حسنى فهو سيد الألوان والإحساس، وما تحركه من إحساس داخل النفس البشرية.
٢- تعود معرفتى بالفنان فاروق حسنى إلى نحو ٤٠ عامًا مضت وتحديدًا فى منتصف الثمانينيات من القرن الماضى.. كنت وقتها محررًا ثقافيًا بالأهرام، وكنت أسمع عنه كمدير ناجح لقصر ثقافة الأنفوشى بالإسكندرية، وغنى عن القول أنه اسكندرانى، وربما اكتسب حبه للبحر واللون الأزرق من علاقاته وشغفه بالبحر منذ الصغر، وبعد رحلته الطويلة فى العمل الثقافى فى قصور الثقافة فى مصر، وانتقاله إلى المركز الثقافى المصرى فى باريس، ثم مديرًا لأكاديمية الفنون المصرية فى روما، وهناك تعرفت عليه لأول مرة عن قرب.
فاروق حسني
٣- فى عام 1987 كنت فى مهمة عمل فى روما وذهبت إلى بيت فاروق حسنى فى الأكاديمية المصرية للفنون بمنطقة حدائق فيلا "بورجيزى" الشهيرة، وكان معى الزميلان السيد النجار رئيس تحرير أخبار اليوم الأسبق، والمرحوم الكاتب أحمد أبوكف نائب رئيس تحرير مجلة المصور، وبينما نحن جلوس فى ضيافة فاروق حسنى.. دق جرس التليفون من القاهرة وعرفنا أن على الطرف الآخر من الخط الدكتور عاطف صدقى رئيس وزراء مصر الأسبق، عندها انسحب فاروق حسنى من الجلسة إلى حجرة قريبة، وسمعنا حوارًا؛ حيث كان دكتور صدقى يعرض عليه مشاركته فى الحكومة المصرية آنذاك كوزير للثقافة، وكان هناك إصرار من فاروق حسنى بالاعتذار، لكن فى نفس الوقت كان الدكتور صدقى يصمم على موقفه ويطالبه بضرورة عودته إلى مصر لاقتناعه به؛ حيث كان قد زامله فترة العمل فى باريس، ويرى أنه الأصلح لتولى هذه المهمة.
٤- بعد نحو أسبوعين من هذه الزيارة إلى فاروق حسنى فى روما جاء إلى القاهرة، وفوجئت به فى إحدى طرقات "الأهرام" متجها إلى مكتب الكاتبة الصحفية الراحلة بهيرة مختار، وكان تربطه بها صداقة وأخوة قوية ثم ذهب بعدها للقاء المرحوم الكاتب الكبير الأديب محمد جلال رئيس تحرير مجلة الإذاعة والتليفزيون الأسبق وصاحب الروايات الشهيرة (قهوة المواردى، وعطفة خوخة، وأيام المنيرة، والمعدية) التى تحولت الى أفلام ومسلسلات ناجحة.
فى هذه الزيارة للأهرام بادرنى فاروق حسنى قائلا: إيه يا مصطفى المقال الجميل ده؟ وكنت قد كتبت مقالا أتغزل فيه فى جمال روما واهتمامها بالفنون والثقافة، لدرجة أننى كتبت يومها أن روما تستقبلك فى الطائرة بصوت المضيفة وهى تقول للركاب: "أهلا بك فى مطار ليوناردو دافنشى الدولى" ثم نزلت لأجد تمثالاً لأمير الشعراء أحمد شوقى وسط حدائق فيلا "بورجيزى" على مقربة من الأكاديمية المصرية للفنون، وعلى قاعدة التمثال كان مكتوبًا بيت شهير لأحمد شوقى يقول فيه "قف بروما وشاهد الأمر، واشهد أن للملك مالكًا سبحانه" إعجابًا بجمال روما، ولذلك كان فاروق حسنى معجبًا جدًا بهذا المقال، ومن يومها توددت الصداقة بيننا، وأصبحنا فى حوارات ثقافية وفنية مستمرة.
متحف فاروق حسني
٥- بعد نحو ٥ أيام من زيارته للأهرام حاولت الاتصال به فى شقته بالمعادى، وكأنه "فص ملح وداب" وكان يومها قد تم إعلان أن هناك تشكيلاً جديدًا للحكومة، ويومها طلب منى الكاتب الصحفى الكبير الراحل محمد عبدالمنعم، وكان مسئولاً عن الديسك المركزى فى الأهرام فى هذه الليلة وقال لي: "مصطفى عاوزك تحاول تتصل بصديقك فاروق حسنى؛ لأنه تم ترشيحه وزيرًا للثقافة، ومحدش عارف يوصله"، المهم علمت بعد ذلك أنه اختفى، وفضل عدم الرد على التليفونات للادلاء بأى تصريحات إلا بعد حلف اليمين، حتى أنه عندما قابلنى فى الأهرام لم يقل لى أنه جاء لهذا الهدف.
٦- سألت دكتور صدقى بعد فترة لماذا اخترت فاروق حسنى وزيرًا للثقافة؟ فقال لى لست أنا.. الرئيس مبارك هو الذى اختاره أنا فقط رشحته ضمن خمس أسماء، وكان آخر اسم فيهم فاروق حسنى، وبعد أن شرحت للرئيس مبارك بما يكفى عن كل اسم فيهم، فوجئت به يؤشر بعلامة صح على الاسم الأخير، وهو فاروق حسنى، وكنت سعيدًا جدًا بهذا الاختيار بالطبع.
٧- أصبح فاروق حسنى وزيرًا للثقافة، وقامت الدنيا ولم تقعد، وسط عاصفة من الهجوم من بعض كبار الأدباء والكتاب، وعلى رأسهم الراحل عبدالرحمن الشرقاوى، وكانت توجيهات قد صدرت بأن يجلس معهم فاروق حسنى؛ لكى يتعرفوا عليه وعلى أفكاره، وبالفعل كان اللقاء الأول بمقر هيئة الكتاب على كورنيش النيل .. وفى صباح ذلك اليوم كلفنى المرحوم الأستاذ إبراهيم نافع رئيس مجلس الإدارة ورئيس تحرير الأهرام الأسبق بتغطية هذا اللقاء صحفيًا، ولا أترك فاروق حسنى فى كل تحركاته، وأكتب للأهرام أولا بأول، وبالفعل ذهبت معه إلى هيئة الكتاب وكتبت فى اليوم التالى صفحة كاملة بالأهرام كان عنوانها ما قاله فاروق حسنى لكبار الكتاب وهو: "أسعى لإحداث نهضة ثقافية يقودها الشباب ويرعاها الكبار"، مؤكدا فى نفس الوقت أن دوره سيكون "مثقِفًا" بكثر القاف، وليس مثقَفًا بفتح القاف، وأنه سيحرص على العمل الثقافى، وهناك فرق كبير بين الإثنين، وبدأنا نسمع عبارات جديدة مثل "التصنيع الثقافى"، وأنه سيولى اهتمامًا كبيرًا لقصور الثقافة وكل الفنون والمسرح التجريبى، وما إلى ذلك من أفكار بدأ ينشرها فاروق حسنى فى أوساط المثقفين.
٨- بعد أن هدأت العاصفة، بدأ فى إحداث نقلة نوعية فى عالم الآثار، وإنشاء المجلس الأعلى للآثار تابعًا لوزارة الثقافة، ووضع لمساته على مشروع الأوبرا، ونقل متحف الحضارة إلى عين الصيرة، وسعى لإنشاء المتحف المصرى الكبير، وغير ذلك الكثير والكثير، واستمر فى موقعه نحو 23 عامًا من 1987 إلى 2011، ولا أستطيع حصر ما قدمه لمصر فى هذا المجال، وسط تقدير عربى ودولى كبير لأفكاره وإبداعاته.
متحف فاروق حسني
٩- إلى جانب كل هذا التاريخ فى حركة الثقافة المصرية كانت إسهامات فاروق حسنى الإبداعية على المستوى الشخصى والعام فى مجال الفنون التشكيلية، وخاصة مدرسته التجريدية فى الرسم وتميز ألوان لوحاته.. ثم جاء اليوم ليقدم لنا نموذجًا آخر من الإبداع فى إسهاماته المجتمعية والفنية، حين قرر إنشاء متحف فاروق حسنى الذى يتبع مؤسسة فاروق حسنى للثقافة والفنون، وليضيف نقطة ضوء ساطع فى حى الزمالك بهذا المتحف البديع، الذى انبهرت أنا شخصيًا بكل ما فيه من لوحات ومقتنيات ومكتبة فنية موسيقية نادرة هدية شخصية منه للأجيال القادمة لنتعرف على قيمة الجمال والألوان، ونستغرق فى لحظه تأمل للحياة نستشرف من خلالها غدا أفضل بفضل قوة وزخم وحوار الألوان.
١٠- فى الكتالوج الجميل عن المتحف يقول فاروق حسنى فى مقدمته: الفن حقيقة كبرى تختال بين الحلم والصحوة تمسنا ولا نستطيع الإمساك بها.. حقيقة لا يدرك حكمتها إلا من يحسن الإصغاء ولعل من يأتى إلى المتحف يجد فيه فرصة للمناسبة للحديث الداخلى وللاصغاء إلى حكمة اللون وسر التشكيل وبراءة الرؤية.
وكما قال مجلس أمناء مؤسسة فاروق حسنى فى مقدمة الكتالوج أيضا: يمثل متحف الفنان فاروق حسنى فضاءً للذاكرة والجمال ويأتى افتتاحه تتويجًا لمسيرة فنية استثنائية لعقود قدم خلالها فاروق حسن تجربته التشكيلية متفردة، تجاوزت حدود الجغرافيا، وتفاعلت مع الاتجاهات والمدارس التشكيلية العالمية، محققه بصمة بصرية فارقة صارت مرجعًا وهوية لونية راسخة فى الوجدان التشكيلى العربى.
أطال الله فى عمر فاروق حسنى، ورزقه الصحة والعافية؛ ليمتعنا بمزيد من أفكاره وإبداعاته.
تمثال فاروق حسني
بعض أعمال فاروق حسني