اتخذت الولايات المتحدة أخيرًا خطوة طال انتظارها بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين وفروعها كتنظيمات إرهابية، في قرار يعكس تحولًا مهمًا في النظرة الدولية إلى جماعة طالما أثارت جدلًا واسعًا حول طبيعتها الحقيقية.
ورغم أن هذا القرار يأتي متأخرًا، فإنه يظل بالغ الدلالة، ليس فقط لأنه يفرض قيودًا قانونية ومالية على الجماعة، بل لأنه يمثل اعترافًا صريحًا بخطر تنظيم لم يكن تهديده محصورًا داخل دولة بعينها، بل امتد ليضرب استقرار المنطقة العربية بأكملها.
تفاصيل القرار الأمريكي تكشف أنه لم يكن خطوة رمزية أو سياسية عابرة، بل شمل إدراج فروع محددة للجماعة على قوائم الإرهاب، بما يعني تجميد الأصول، وملاحقة شبكات التمويل، وتجريم أي تعامل معها. وهي إجراءات تضرب في عمق البنية التنظيمية التي اعتمدت طويلًا على العمل السري، واستغلال الشعارات الدينية والواجهات الخيرية لتأمين النفوذ والتمويل، خاصة في الدول التي عانت من هشاشة سياسية أو صراعات داخلية.
جماعة الإخوان، التي تأسست تحت لافتة الدعوة والإصلاح، أثبتت عبر تجربتها الطويلة أنها تنظيم سياسي مغلق، يؤمن بفكرة الجماعة قبل الدولة، ويقدّم الولاء التنظيمي على مفهوم الوطن. ومع كل تجربة سياسية خاضتها في المنطقة، تكرّر المشهد ذاته: خطاب ناعم في العلن، وممارسات إقصائية في الواقع، وتحريض أو تبرير للعنف عندما تتعارض النتائج مع طموحاتها.
في أكثر من دولة عربية، تركت الجماعة بصمتها السلبية بوضوح. ففي ليبيا، ارتبطت بأطراف مسلحة أسهمت في تفكيك مؤسسات الدولة وإطالة أمد الفوضى. وفي سوريا، تداخل خطابها مع جماعات متطرفة، ما زاد المشهد تعقيدًا وأضعف فرص الحل الوطني. وفي اليمن، مارست أدوارًا مزدوجة جمعت بين العمل السياسي والتنسيق مع قوى مسلحة، بما أسهم في إضعاف الدولة وتعميق الانقسام.
وفي قلب هذا المشهد الإقليمي، تبرز التجربة المصرية بوصفها النموذج الأوضح لكشف طبيعة الجماعة. فبعد عام 2011، أتيحت للإخوان فرصة الحكم، لكنهم تعاملوا مع الدولة كغنيمة تنظيمية، وسعوا إلى أخونة مؤسساتها، وأداروا المشهد بمنطق الإقصاء والاستحواذ، ما دفع البلاد إلى حافة الانقسام والفوضى. وحين رفض الشعب المصري هذا المسار، خرج بالملايين في 30 يونيو، معبّرًا عن إرادته في استعادة دولته، لتتدخل القوات المسلحة استجابةً واضحة لإرادة شعبية، حفاظًا على كيان الدولة، ومنع انزلاقها إلى مصير دول انهارت تحت وطأة التنظيمات العابرة للحدود.
منذ ذلك الحين، تبنّت الدولة المصرية موقفًا حاسمًا تجاه جماعة الإخوان، مؤكدة أن المواجهة لم تكن مع الدين أو العمل السياسي، بل مع تنظيم سري لجأ إلى التحريض والعنف بعد فشله في الحكم. وقد دفعت مصر ثمنًا باهظًا في هذه المواجهة، عبر عمليات إرهابية استهدفت الجيش والشرطة والقضاء ودور العبادة والمواطنين، إلا أنها أصرت على استكمال المعركة دفاعًا عن مفهوم الدولة الوطنية.
وقد تعامل الرئيس عبدالفتاح السيسي مع هذا الملف باعتباره قضية أمن قومي لا تقبل المساومة، رافضًا الضغوط ومحاولات تبييض صورة الجماعة أو إعادة تدويرها تحت مسميات جديدة. فالرؤية المصرية قامت على قناعة راسخة بأن التساهل مع هذا الفكر هو بوابة مؤكدة للفوضى، وأن استقرار الدولة لا يتحقق إلا بتجفيف منابع التطرف فكرًا وتنظيمًا.
من هنا، يمكن فهم الترحيب الواسع الذي أبدته عدة دول عربية، وعلى رأسها مصر والسعودية والإمارات، بالقرار الأمريكي، باعتباره انتصارًا لرؤية طالما حذّرت من خطورة الإخوان كمشروع سياسي عابر للحدود، لا يعترف بالدولة الوطنية ولا بالقانون، ويستخدم الدين أداة للوصول إلى السلطة.
صحيح أن القرار الأمريكي جاء متأخرًا، لكنه يظل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، ورسالة واضحة بأن ازدواجية الخطاب بين الاعتدال في العلن، والتطرف في الخفاء، لم تعد مقبولة. كما أنه يؤكد أن ما شهدته المنطقة العربية لم يكن مجرد خلافات سياسية، بل صراع مع تنظيم أثبتت التجربة خطورته على الاستقرار والأمن.
في المحصلة، فإن تصنيف الإخوان تنظيمًا إرهابيًا لا يُعد انتصارًا لدولة بعينها، بل انتصار لفكرة الدولة الوطنية في مواجهة تنظيمات تتغذى على الفوضى والانقسام. وربما يكون هذا القرار بداية مراجعة أوسع، تضع حدًا لاستخدام الدين كغطاء لمشروعات سياسية فاشلة، وتعيد الاعتبار لمسار سياسي يقوم على القانون والمواطنة، لا على التنظيم السري.