تتجه Google بخطوات متسارعة نحو إعادة تشكيل طريقة عمل الاقتصاد الرقمي، عبر توسيع قدرات مساعدها الذكي Gemini ليصبح ليس فقط أداة توصية، بل وسيطًا يشارك في تحديد الأسعار وتنسيق العروض، في مسار يثير مخاوف جدية تتعلق بالاحتكار وفشل سياسات مكافحة المنافسة، وفقا لـ thebignewsletter
موضوعات مقترحة
خلال أيام قليلة، كشفت جوجل عن ثلاث خطوات مفصلية، الأولى تمثلت في تمكين Gemini من قراءة رسائل Gmail والوصول إلى بيانات المستخدم عبر YouTube وGoogle Photos وSearch، بهدف إنشاء مساعد يعرف المستخدم «بعمق غير مسبوق». الشركة ترى في ذلك قيمة حقيقية، بينما يراه منتقدون سيناريو قريبًا من عوالم «Black Mirror».
جوجل عرضت حالات استخدام متعددة، من بينها طلب توصية بإطارات سيارات، حيث يستطيع Gemini تحليل صور المستخدم لمعرفة نوع السيارة وطبيعة الرحلات، ثم تقديم اقتراحات دقيقة تشمل المنتجات والأسعار. الأمر يمتد إلى السفر والكتب وحتى قصات الشعر، مع توصيات مدعومة ببيانات تسعير.
Gemini يدخل منظومة أبل
الإعلان الثاني تمثل في اتفاق جوجل مع Apple لتشغيل Siri والنماذج الأساسية بالاعتماد على Gemini، ما يمد الذكاء الاصطناعي التوليدي لجوجل إلى أهم منظومة هواتف في العالم. هذه الخطوة تعزز تفوق جوجل القائم أصلًا على وفرة البيانات وقنوات التوزيع، وتدفع محللين في وول ستريت إلى الاعتقاد بأن معركة الذكاء الاصطناعي قد حُسمت لصالحها، خاصة مع اقتراب قيمتها السوقية من 4 تريليونات دولار.
التسعير المخصص.. الإعلان الثالث الأخطر
الإعلان الثالث، والأكثر إثارة للجدل، كشف عن إطلاق خدمة إعلانية جديدة مدعومة بـ Gemini وبروتوكول تجارة مفتوح، يتيح للتجار تقديم «تسعير مخصص قائم على المراقبة» لكل مستهلك على حدة. نائبة رئيس جوجل فيدهيا سرينيفاسان وصفت الفكرة بأنها وسيلة «لتقديم عروض مخصصة لمستهلكين جاهزين للشراء دون تعميمها على الجميع». شركاء المبادرة يشملون Walmart وVisa وMastercard وShopify وGap وKroger وMacy’s وStripe وHome Depot وAmerican Express وغيرهم.
النتيجة المحتملة، بحسب محللين، ثورة في كيفية عمل الاقتصاد، حيث لا تكتفي جوجل ببيع الإعلانات، بل تدخل مجال تنسيق الأسعار ذاته. وثائق البروتوكول الجديد تشير صراحة إلى «التسعير الديناميكي» كأداة أساسية، فيما أعلنت Kroger نيتها استخدام Gemini، مدعومًا ببياناتها الخاصة، لتسعير المنتجات للمستهلكين.
من الإعلان إلى التحكم في الأسعار
جوجل تختبر أيضًا ما تسميه «العروض المباشرة»، حيث تدفع الشركات مقابل السماح لجوجل بتحديد الأسعار عند تقديم التوصيات عبر Gemini. عمليًا، قد يرى المستخدم المنتج ذاته بأسعار مختلفة، بناءً على ما تعرفه جوجل عن سلوكه وقدرته على الدفع. الشركة تقول إن الهدف تقديم خصومات وقيمة أفضل، لا رفع الأسعار، لكن خبراء تسعير يرون أن «الخصومات» غالبًا ما تكون وهمية، وأن السعر الحقيقي هو ما يُدفع فعليًا.
شبح تثبيت الأسعار
القلق يتضاعف حين تمنح شركات متنافسة جوجل سلطة التسعير. عندها، تتحول المنصة من وسيط إلى منسق أسعار آلي، في صورة قريبة من تثبيت الأسعار، وإن كان عبر خوارزميات. هذه المخاوف تستند إلى تاريخ طويل لجوجل في «هيكلة الأسواق»، من البحث إلى الإعلانات الرقمية.
دروس من الماضي
القصة تعود إلى الهدف المؤسس لجوجل: «تنظيم معلومات العالم وجعلها متاحة ومفيدة». في البداية بدا الشعار بريئًا، لكن مع الزمن اتضح أن «الأسعار» نفسها معلومات. تجربة موقع Foundem البريطاني للمقارنة السعرية عام 2006 كشفت كيف يمكن لجوجل خفض ترتيب منافس ثم إطلاق خدمة بديلة خاصة بها، ما غيّر قواعد المنافسة من خفض الأسعار للمستهلك إلى دفع أموال أكثر لجوجل مقابل الظهور.
الاتحاد الأوروبي أدان هذا السلوك لاحقًا وغرّم جوجل 2.4 مليار يورو في 2017، وأُيد الحكم في 2024. لكن العقوبة جاءت بعد فوات الأوان، ما فُسر كإقرار ضمني بالاحتكار.
الذكاء الاصطناعي يعيد السيناريو
اليوم، يرى خبراء أن جوجل تعيد تطبيق «دليل الاحتكار» ذاته مع Gemini: تفضيل ذاتي عبر خدماتها، صفقات توزيع حصرية، واتفاق مع أبل شبيه بالترتيبات التي اعتُبرت جوهر احتكار البحث. فشل فرض علاج حقيقي على جوجل في قضايا الاحتكار السابقة فتح الباب لتكرار السيناريو في الذكاء الاصطناعي.
هل نحن أمام نهاية المنافسة؟
المخاوف تمتد إلى تآكل إشارات السوق والديمقراطية الاقتصادية، حيث قد تفقد الشركات قدرتها على التسعير والتواصل المباشر مع العملاء، كما حدث للصحف في سوق الإعلانات. في المقابل، يرى آخرون أن الصورة قد تكون أسوأ الاحتمالات فقط، وأن المنافسة من شركات مثل OpenAI أو تدخل تشريعي أقوى قد يغير المسار.
أسئلة لا مفر منها
المرحلة الراهنة تفرض أسئلة حاسمة على صناع القرار: هل هناك تعارض بنيوي في أن تبيع جوجل الإعلان وتنسق الأسعار؟ من تمثل Gemini فعليًا.. المشتري أم البائع؟ وكيف يمكن ضبط تثبيت الأسعار عندما يتم عبر نماذج ذكاء اصطناعي معتمة؟ وما معنى تفكيك قوة شركات التكنولوجيا الكبرى في عصر دمج الذكاء الاصطناعي بكل خطوط الأعمال؟