أحيانًا.. وأنا أجلس في ركن هادئ من عالمي، أتأمل المشهد من حولي.. مشهدنا الأدبي الحالي.. يُخيَّل إليَّ أنني أرى حفلاً تنكريًّا ضخمًا. الجميع يرتدي أثوابًا فاخرة وأقنعة براقة، والضحكات تعلو، والأضواء تعمي الأبصار. ولكن إن حاولت الاستماع بعمق، وراء ضجيج الموسيقى والثرثرة، قد تسمع همسة حزينة.. صرخة مكتومة تنبعث من فراغ ما.
هذه الوجوه اللامعة، هذه الكلمات المتلألئة، هذه المنصات المزينة.. كلها تلمع وتبرق في الظاهر. لكن الحقيقة التي نخشى مواجهتها، نحن المثقفين، هي أن الجوهر قد يكون على المحك. أحيانًا أظن أننا في احتفال مهيب، بكل ما يحتاج إليه الاحتفال.. إلا أن المحتفى به غائب! تصفيق ميكانيكي يملأ المكان، ومدائح رتيبة تتبادل كالسلع، وابتسامات لا تصل إلى العينين. إنه ماء راكد.. بلا طعم ولا لون ولا رائحة.
وتلك الألقاب الرنانة التي تمنح هنا وهناك.. "مبدع"، "عبقري"، "صاحب رؤية فذة".. توزع كالحلوى في العيد. أحيانًا يتسرب إلى نفسي شعور غريب، كأن هذا كله ليس سوى نفاقٍ لطيفٍ، مرض بطيء يتسلل إلى عظام جسدنا الثقافي فيضعفها.
وهكذا، دون أن ندري تمامًا، يتحول الأدب إلى سوق كبيرة.. سوق تتدفق فيها النصوص كسلع خفيفة، سريعة التداول، قليلة الثمن. وتتضاءل قيمة الإبداع الحقيقي أمام قيمة الظهور والإبهار المؤقت.
وفي زحام هذه السوق الصاخبة، هناك أصوات قليلة، خافتة ربما، لكنها جادة وصادقة. تكتب ليس لأن الجمهور يريد أن يسمع، بل لأن ضميرها يأمرها أن تقول. هذه المقالة محاولة متواضعة مني لكشف هذا المشهد، ونبش طبقاته المتعددة.
رحلة سريعة للبحث عن جوهر المبدع الأصيل في وسط كل هذا الغبار، وعن دور الكلمة في زمن تكاد فيه الوجوه أن تتطابق حتى فقد الكاتب ملامحه بين الزحام. سنسأل معًا: كيف تحول الفن إلى مجرد تمثال من ورق وزجاج.. جميل المظهر، لكنه هش مقدس لا يتحمل لمسة؟ كيف يمكن للمبدع أن يحافظ على صوته الفريد وسط هذه الفوضى العارمة؟ وهل يمكن أن يولد إبداع حقيقي من عزلة يختارها صاحبها.. عزلة مضيئة بعيدة عن ضجيج الولائم وصراخ المواسم؟
يُخيَّل إليَّ أحيانًا، ونحن ندور في فلك الأمسيات الأدبية المزدانة بابتسامات لامعة وكلمات معلبة، أننا في حفلة تنكرية كبرى. الجميع يرتدي قناعًا.. قناع المثقف العميق، قناع الناقد الفذ، قناع الأديب الثائر. الأضواء ساطعة، وصخب الكلام يملأ الأجواء، والوجوه تتهلل في حضرة الكاميرات. لكنك إن أمعنت السمع جاهدًا، قد تلتقط همسة شبح الزيف المنبعثة من بين السطور، كأنها نداء استغاثة من فراغ.
هذا هو المشهد: ظلال أكثر حضورًا من الأجساد، وصدى أعلى صوتًا من الحناجر، وصورة براقة أقوى من الحقيقة. تتجاور الوجوه المتعبة خلف أقنعة البهجة المصطنعة، وتختلط نبرات المديح بالتصفيق المستعار. ويصبح التظاهر بالعمق بديلاً مريحًا عن العمق نفسه، الذي يتطلب جهدًا وجراحة للنفس.
ثم يتساءل المرء: هل للحفلة نهاية؟ هل يمكن لهذا الحفل المتوهج بالأضواء الواهية أن يخفي ذلك الارتجاف الخفي للكلمة حين تفقد دلالتها؟ هل يمكن لتلك الأعمدة المزخرفة من المجاملات الرنانة أن تدعم حقًّا بناءً ثقافيًّا أصيلاً؟
في قلب هذا الزحام، حيث تتزاحم كراسي السرادق ويسعى الجميع للحصول على حفنة من التصفيق أو سطر في صحيفة، هناك شيء ثمين يضيع: روح الإبداع. حينها يصبح الهدف هو الظهور فقط، وليس التجلي. تصبح الكتابة، حال انتهائها، سلعة تعرض للبيع وتنتظر الحكم السريع.. لا نصًّا حيًّا يحمل أسئلة وجودية أو رؤى جديدة تزعج السكون.
تلك الكلمات الحلوة التي تتراقص على الألسنة: "مبدع، خلاق، صاحب رؤية".. تفقد بريقها وتتحول إلى عملة مزيفة نتداولها في سوقنا الصغيرة بلا اكتراث. قد تأتيك من ناقد لم يمض مع نصك سوى نظرة عابرة، أو من زميل ينتظر منك بالمقابل إشادة مماثلة في مناسبة قادمة.
إنها لعبة مرهقة.. لعبة تبادل منافع ومديح متكافئ. تشبه تلك الولائم الأدبية حيث يتبارى المدعوون في إلقاء الكلام الفارغ المعسول، بينما يبرد الطعام الحقيقي على المائدة، ويظل الجوع الروحي قائمًا لا يزول. وهكذا، لا تلبث الثقافة أن تختزل إلى مجرد طقوس اجتماعية لطيفة، بينما تخبو نارها الداخلية وجذوتها الملهمة. يحدث هذا عندما يغيب الصدق.. حين يتحول المبدع إلى موظف في مؤسسة الشهرة، وليس عاشقًا أبديًّا للغة وللفكرة.
وهذا النفاق الأدبي الراقي ليس بريئًا أبدًا؛ إنه شر يتسلل بهدوء، لأنه يقتل الجوهر من الداخل. يقتل مصداقية الكلمة، ويبطل قيمة النقد الحقيقي، ويخلق أوهامًا خطيرة حول الذات. تخيل شاعرًا شابًّا موهوبًا، يقال له في كل مناسبة إنه "المتنبي الجديد" أو "أمير الشعراء" دون أن يقرأ أحد قصيدته حقًّا، أو يحاورها بجدية. سيصدق هذا الوهم يومًا ما.. وسيتوقف عن السعي، عن التعمق، عن البحث المضني عن لغته الخاصة. سيبدأ بكتابة ما يتوقع الآخرون سماعه، لا ما يختلج حقًّا في أعماقه.
وهكذا يتحول المبدع الواعد إلى ظل لنفسه، أو إلى صورة مشوهة عما يظن أن السوق يريده. كل لفتة جوفاء هي مسمار آخر في نعش موهبته الحقيقية. كل مجاملة مجانية هي ضربة فرشاة تمحو، بلطف، تفاصيل الملامح الأصيلة من وجهه الإبداعي. وفي النهاية، قد ينشأ جيل كامل من الكتاب الذين يكذبون على أنفسهم، ويكذب عليهم جمهورهم، وتغرق أسواق الثقافة ببضائع زائفة، سريعة التلف، كالتماثيل الورقية.
ماذا يمكن أن ننتظره من ضجيج ودخان وأضواء واهية؟ سوى أن تضيع الحقيقة في متاهات الزيف. إن هذا الصخب قادر على طمس الأصوات القليلة الحقيقية.. تلك الأصوات الخافتة التي تملك، رغم خفوتها، قوة اختراق الوجود. تضيع هذه الأصوات في زحام الندوات التي تكرر الكليشيهات ذاتها، والمقالات السريعة التي تكتب في سباق مع الوقت، بلا تأمل ولا بوصلة فكر.
وهكذا يتحول المشهد الثقافي إلى مرآة لا تعكس إلا الأقرب إليها صراخًا، بينما يقف الحالمون المبدعون على هامش الصورة، في الظلِ. ربما تمر بين أيدينا نصوص عظيمة، روايات عميقة، قصائد بارعة، لكنها تأتي من أبناء الظلِ، لا من أبناء النور المصطنع. هؤلاء المبدعون الحالمون المتوارون يكتبون ولا ينتظرون، يحلمون ولا يطالبون، يزرعون ولا يملكون الحصاد. هم الذين تدفعهم موجة الصخب إلى العتمة، بينما تملأ الرفوف كتب بلا روح، كالتماثيل الزجاجية الجامدة.