جرينلاند: بين منطق القوة وحدود السيادة

17-1-2026 | 12:21

جرينلاند جزيرة هائلة المساحة، تقارب مليوني كيلومتر مربع -أي نحو ضعف مساحة مصر- لكنها تكاد تكون فراغًا بشريًا، إذ لا يتجاوز عدد سكانها ستين ألف نسمة. تتبع سياديًا مملكة الدنمارك، وتتمتع بحكم ذاتي واسع يشمل حكومة وبرلمانًا منتخبين، مع حقٍ قانوني صريح في الاستقلال الكامل عبر استفتاء شعبي. 

نحو 80% من أراضيها مغطاة بالجليد الدائم، وتصل درجات الحرارة شتاءً إلى ما بين سالب 20 وسالب 40 درجة مئوية، ما جعل الجغرافيا عاملًا حاسمًا في تشكيل نمط الحياة والعمران. عاصمتها نوك تضم قرابة ثلث السكان، وتنتشر إلى جوارها نحو 17 مدينة وبلدة ساحلية. بسبب وعورة تضاريسها، لا تربط بينها طرق برية بل يجري التنقل بين المدن بالمروحيات وداخل المدن يتم التنقل بالكلاب التي تجر الزلاجات وأحيانًا بالسيارات. مصدر دخلها الرئيسي هو الثروة السمكية ومتوسط دخل الفرد شهريًا 3000 دولار. ورغم هذا المستوى النسبي من الرفاه، تزداد بها حالات الإدمان وحوادث الانتحار، ما يعكس هشاشة اجتماعية في مجتمع صغير ومعزول.

ورغم هذه القسوة الظاهرية، تختزن جرينلاند تحت الجليد ثروة معدنية ضخمة، خصوصًا من العناصر الأرضية النادرة الضرورية لصناعات التكنولوجيا والطاقة والدفاع. وتشير التقديرات إلى أن القيمة النظرية لإجمالي مواردها من المعادن والطاقة قد تصل إلى عدة تريليونات من الدولارات، بينما لا تتجاوز القيمة القابلة للاستخراج اقتصاديًا في الظروف الحالية بضع مئات من المليارات فقط، بسبب صعوبة التعدين، وضعف البنية التحتية، والقيود البيئية الصارمة. وبين هذا الاتساع الجغرافي الهائل، والفراغ السكاني، والثروة المؤجلة، تحولت جرينلاند من جزيرة منسية إلى أصل إستراتيجي صامت يسيل له لعاب الدولة العظمى المجاورة.

الاهتمام الأمريكي التاريخي

في هذا السياق، لا تبدو الرغبة الأمريكية في جرينلاند وليدة اللحظة، بل امتداد لتفكير إستراتيجي قديم. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، وبعد شراء ألاسكا، ظهرت داخل واشنطن أفكار غير رسمية لضم الجزيرة، ثم عاد الاهتمام بشكل أكثر جدية عقب الحرب العالمية الثانية، حين عرضت الولايات المتحدة رسميًا دفع 100 مليون دولار لشراء جرينلاند من الدنمارك إدراكًا لأهميتها العسكرية. ورغم فشل تلك المحاولات، حافظت واشنطن على وجود عسكري دائم ونفوذ فعلي، معتبرة الجزيرة جزءًا من أمنها القومي الشمالي.

غير أن هذا الاهتمام تضاعف في السنوات الأخيرة بفعل ثلاثة تحولات كبرى: ذوبان الجليد في القطب الشمالي وما يفتحه من ممرات بحرية جديدة تختصر طرق التجارة العالمية؛ تصاعد التنافس مع الصين وروسيا على الموارد وسلاسل الإمداد، خصوصًا المعادن النادرة؛ وأخيرًا، إدراك أن جرينلاند قد تنتقل مستقبلاً من وضع الحكم الذاتي إلى الاستقلال، بما يفتح بابًا لفراغ جيوسياسي لا ترغب الولايات المتحدة في تركه لمنافسين. هكذا عادت جرينلاند إلى واجهة التفكير الأمريكي، لا كجزيرة نائية، بل كقطعة مركزية في لوحة عالم يعاد تشكيله ببطء… ولكن بثبات.

منطق القوة.. وحدوده

في مواجهة هذا الطموح الأمريكي، جاءت ردود الفعل حادة ومتباينة في مصادرها، لكنها متقاربة في جوهرها. فبالنسبة للسكان الأصليين في جرينلاند، يُنظر إلى أي حديث عن الاستحواذ -سواء بالتفاوض غير المتكافئ أو بالقوة- بوصفه تهديدًا وجوديًا لا مجرد خلاف سياسي. فهؤلاء لا يرون الجزيرة أصلاً قابلاً للبيع، بل وطن وهوية وثقافة، ويخشون أن يتحولوا، في حال الضم، إلى أقلية مهمَّشة داخل قوة عظمى، مهما كانت الإغراءات الاقتصادية أو مزايا الجنسية. 

أما الدنمارك، فقد تعاملت مع الطرح الأمريكي باعتباره مساسًا مباشرًا بالسيادة وبقواعد النظام الدولي الحديث، ورفضت من حيث المبدأ العودة إلى منطق "شراء الأراضي" الذي تجاوزته أوروبا منذ قرن، خشية فتح باب يعيد تعريف النفوذ على حساب الشرعية.

الاتحاد الأوروبي بدوره يرى في أي محاولة فرض أمر واقع في جرينلاند سابقة خطيرة تمس استقرار القارة الشمالية وتضرب الأساس القانوني الذي تقوم عليه العلاقات الدولية. فقبول منطق "الأقوى يفعل ما يشاء" لا يهدد جرينلاند وحدها، بل يقوّض الخطاب الأخلاقي الذي تستند إليه الولايات المتحدة نفسها في مواجهة خصومها. 

ومن هنا، يصبح الاستحواذ بالقوة -حتى لو كان ممكنًا عسكريًا- عبئًا إستراتيجيًا على واشنطن؛ لأنه سيحول مكسبًا جغرافيًا محتملاً إلى خسارة سياسية وأخلاقية واسعة، ويمنح منافسيها الذريعة ذاتها التي تحاول نزعها عنهم: أن القوة، لا القانون، هي مَن تصنع الحق.

ماذا بعد؟

إذا نظرنا إلى المسألة بقدر من الحياد، يتضح أن كلا الموقفين يعاني اختلالاً في المنطق. فمن جهة، لا يمكن تبرير منطق «أنا الأقوى فأفرض ما أشاء»؛ فهذا المسار، مهما بدا عمليًا، يقوّض القانون الدولي ويحول القوة إلى حق، وهو منطق ممجوج وخطير حتى على مَن يستخدمه. لكن من جهة أخرى، يصعب أيضًا الدفاع عن فكرة أن نحو ستين ألف نسمة، يتركزون في مدن وقرى ساحلية محدودة، يملكون حق السيادة المطلقة على جزيرة بحجم قارة، 90% من مساحتها غير مأهول وغير مستغل، بينما تمتلك هذه المساحات أثرًا مباشرًا على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والأمن الدولي.

المنطق الأكثر اتزانًا لا يكمن في نزع الحقوق ولا في تكريس المنع المطلق، بل في التفريق بين السيادة على الأرض المأهولة، وبين إدارة المساحات القاحلة والموارد ذات البعد العالمي. سيادة تحمي المجتمعات المحلية وحقها في القرار، لكنها لا تتحول إلى أداة تعطيل دائم لموارد لا تستطيع استغلالها ولا تقديم بديل عملي لإدارتها. في المقابل، شراكات دولية واضحة، بشروط بيئية وقانونية صارمة، قد تفتح باب الاستثمار دون أن تفرغ السيادة من معناها.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بجرينلاند وحدها، بل بسؤال أكبر يفرض نفسه في عالم متغير: هل تظل السيادة مفهومًا مطلقًا غير قابل للتجزئة، أم أنها ستُعاد صياغتها لتوازن بين حق الشعوب ومصالح عالم لم يعد يتحمل الفراغ؟ هذا السؤال، لا القوة ولا الرفض المطلق، هو ما سيحدد شكل الحل.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: