يشارك الأستاذ الدكتور إبراهيم عبد المنعم سلامة أبو العلا، أستاذ التاريخ الإسلامي والحضارة الغسلامية، والرئيس السابق لقسم التاريخ والآثار المصرية والإسلامية بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين بكتابه الجديد «أضواء جديدة على أثر الفقهاء والمحدثين وشيوخ القراءات السنة في الحياة العلمية بالإسكندرية (٤٦٤- ٥١٨ هجرية/ ١٠٧٢- ١١٢٤ ميلادية)»، والذي صدر مؤخرًا عن دار المعرفة الجامعية.
موضوعات مقترحة
وفي ثنايا تقديمه للكتاب، قال الأستاذ الدكتور إبراهيم سلامة:"تمتعت مدينة الإسكندرية بمكانة تاريخية وحضارية عظيمة، وكان موقعها الجغرافي العبقري في شمال مصر على ساحل البحر المتوسط أحد أهم مقومات تلك المكانة التاريخية العريقة والحضارية المجيدة؛ فقد كان له عميق الأثر في تكوين الشخصية الحضارية المميزة لها عبر عصورها التاريخية، إذ جعلها ملتقى التيارات الحضارية، وحلقة وصل بين الثقافات شرقا وغربا، إذ سلك السكندريون البحر ونبغوا في ركوبه والاستفادة منه، فتهيأ لمدينتهم مكانة عظيمة في مجال النشاط التجاري، وأصبحت من أكبر المرافئ على البحر المتوسط منذ نشأتها وعند الفتح العربي لها وطيلة العصر الإسلامي، ومركز استقطاب للتجارة العالمية، فتدفق عليها التجار من الآفاق للحصول على الأرباح الطائلة التي تدرها تجارتها. وكانت مدينة الإسكندرية أيضًا من أهم المراكز العلمية والثقافية بمصر في العصر الإسلامي، فكانت تزخر بالعلماء ورجال الأدب والفكر المصريين، وقد جذبت إليها طلاب العلم والعلماء من أقصى المشرق ومن أقصى المغرب واستوطنها بعضهم ونسبوا إليها فصاروا سكندريون، فتعددت بها الأعراق والثقافات، وصارت نموذجا للمدينة الإسلامية العالمية".
وقد انكب بعض الباحثين على دراسة الحياة العلمية بالإسكندرية في العصر الإسلامي الوسيط، وتعددت مصنفاتهم القيمة في هذا المجال ومع ذلك، فما زال حقلا خصبًا للبحث التاريخي، واتجاها يحتاج إلى مزيد من الاستقصاء والبحث؛ فعلى سبيل المثال لم تحظ الصلات العلمية بين الإسكندرية وبعض مراكز الثقافة الإسلامية بالمشرق والمغربالإسلاميين باهتمام الباحثين المتخصصين في التاريخ العلمي الإسلامي فلم يخصصوا لدراساتها بحوثا مفردة قائمة بذاتها، كذلك لم تنل بعض الشخصيات السكندرية وأثرها في الحياة العلمية والاجتماعية بمصر عامة والإسكندرية خاصة قدرها من الاهتمام الذي يتناسب وقيمتها العلمية، وربما كان السبب في ذلك أن الكتاب القدامي والمحدثين كانوا يهتمون بذكر مشاهير طلاب العلم وشيوخ الفقه والحديث والقراءات السكندريين والمقيمين بها و القادمين إليها، ليأخذوا من شيوخها، وأيضا تركيزهم على التبادل العلمي بين الإسكندرية ومراكز الثقافة الإسلامية البارزة، كبعض مدن بلاد فارس، والشام والجزيرة العربية، والمغرب، والأندلس.
وتعود أهمية الكتاب الموسوم بـ (أضواء جديدة على أثر الفقهاء والمحدثين وشيوخ القراءات السنّة في الحياة العلمية بالإسكندرية (٤٦٤) ٥١٨هـ / ١٠٧٢ - ١١٢٤م)، أنه سيكشف عن تنوع الثقافات والتيارات الفكرية السنية المالكية والشافعية والحنفية بالإسكندرية، وسيسد بعض الفجوات في موضوع الحياة العلمية بها، بتوظيف بعض المعطيات التراثية المنشورة، والمحققة حديثا التي لم توظف من قبل بالقدر الذي يتناسب وأهميتها، ومنها: أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصيمري، وفهرست شيوخ القاضي عياض للقاضي عياض، والأنساب للسمعاني، ومعجم السفر للسلفي، وفهرسة ابن خير الإشبيلي لابن خير الإشبيلي، والمعجم في أصحاب القاضي الصدفي، والتكملة لكتاب الصلة لابن الأبار البلنسي،
والجواهر المضية في طبقات الحنفية لابن أبي الوفاء القرشي الحنفي، وتاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام للذهبي، والمقفى الكبير للمتريزي، وغاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري، وغيرها من كتب التراجم والطبقات، والبرامج.
وتتضح قيمة بعض تلك المصادر وأهميتها في معاصرتها للمدة موضوع الكتاب، ومساهمة بعض مصنفيها بقسط وافر في صنع الأحداث، واحتفاظ بعضها بروايات مهمة عن هؤلاء المعاصرين بالإضافة إلى ثراءها وتنوع نصوصها.
وقد ارتكز الكتاب على المنهج التاريخي بأدواته المختلفة كالوصف، والتحليل، والمقارنة، والاستنباط، وقمت بتخريج الأحاديث النبوية من مظانها الأصلية، واستشهدت بأكبر قدر ممكن من النصوص التاريخية والدينية، والأدبية، والجغرافية، وتوظيفها بإحكام ودقة، والاستشهاد بها في استنباط كثير من التخريجات، فلم أدخر وسعا في التنقيب في ثنايا الكتب التراثية، وبلغ عدد الإحالات المصدرية قرابة الستمائة وأربعين، لتدعيم الكتاب من جهة، ولوضع القارئ في الصورة المعاصرة من جهة أخرى، ولا تخلو معظم صفحات الكتاب من جديد في تحقيق الأحداث، والتواريخ والأعلام الأسماء، والأماكن) ، وقد ذيلته بعدد من الخرائط الموضوعية.
وجدير بالذكر أن بعض الباحثين قد اعتادوا عند معالجة الحياة العلمية بالإسكندرية، على عرض وقائعها تبعا لتسلسل الحقب والعصور التاريخية. ويكون هذا النهج مفيدا عند دراسة الحياة العلمية، أو أحد مظاهرها في فترة زمنية محددة، غير أن هناك بعض المعالجات لعدد من مناحي الحياة العلمية لا يجدي معها المنهج الحولي، وإنما تدرس وفق الموضوعات، بهدف احتفاظها بوحدتها واتساقها والنظرة الشمولية لها، خاصة لو كانت هذه الموضوعات مستقلة بنفسها، ولكنها ترتبط ارتباطا موضوعيًا فيما بينها، ومن ذلك الكتب التي تضم عددا من الدراسات المتنوعة عن موضوع واحد.
ويؤكد الدكتتور سلامة:(سيجمع كتابنا «أضواء جديدة على أثر الفقهاء والمحدثين وشيوخ القراءات السنة في الحياة العلمية بالإسكندرية (٤٦٤ - ٥١٨هـ / ١٠٧٢ - ١١٢٤م)، بين المنهجيين فهو يضم ثلاث دراسات متنوعة عن الحياة العلمية في الإسكندرية مرتبة حسب التسلسل الزمني، فكانت الدراسة الأولى بعنوان: أثر الفقيه الزاهد أبي بكر الرازي الحنفي (ت ٤٩٣هـ / ١١٠٠م) في الحياة العلمية والاجتماعية بالإسكندرية، وهي تلقي أضواء جديدة على نشأة الفقيه المفسر الصوفي أبي بكر محمد بن إبراهيم بن الحسن الرازي (نسبة إلى مدينة الري)، الحنفي، ومذهبه وتكوينه العلمي واستقراره بالإسكندرية، ومناقبه وأحواله، وآثاره، ودوره في الحياة العلمية والاجتماعية بالإسكندرية في مستهل العصر الفاطمي الثاني، فقد ساهم في نشر المذهب الحنفي بها، وساهم أيضًا في تشكيل ثقافة طلاب العلم السكندريين والمغاربة، وغيرهم، ممن تتلمذوا على يديه بالإسكندرية، ونزوع بعضهم إلى الزهد والتصوف".
وجاءت الدراسة الثانية بعنوان الحافظ ابن المُشرف الأَنْمَاطِي السكندري المالكي (ت ٥١٨هـ / ١١٢٤م) شيخا لطلاب العلم المغاربة والأندلسيين. وهي تلقي الضوء على مسيرته، ومكانته العلمية التي جعلته مقصدا لبعض المرتحلين المغاربة والأندلسيين إلى الحجاز، لأداء فريضة الحج وطلب العلم والرزق، وطرق تلقيهم العلم عنه، وألقت الدراسة الضوء أيضًا على تتلمذ بعض طلاب العلم المغاربة والأندلسين الذين لم تتيسر لهم الرحلة المشرقية بالإجازة على ابن المشرّف الأنماطي. وقد تناولت الدراسة الصلات العلمية المتبادلة بين الإسكندرية والمغرب والأندلس ونتائجها المتمثلة في تكوين أطر ثقافية سكندرية، وانتشار سريع الروايات الحافظ ابن المشرف الأنماطي في حواضر الثقافة بالغرب الإسلامي وتطرقت الدراسة إلى مساهمة بعض المرتحلين المغاربة والأندلسيين إلى الإسكندرية بفعالية في الحياة العلمية بها.
وأما الدراسة الثالثة فهى بعنوان: أثر شيوخ القراءات الصقليين السنة في الحياة العلمية بالإسكندرية ( ٤٦٤ - ٥١٧هـ / ۱۰۷٢ - ۱۱۲۳م) ، وتلقي الضوء على هجرة ثلاثة من هؤلاء الشيوخ المالكية بعد سقوط معظم مدن جزيرتهم في أيدي النورمان (٤٦٤هـ / ١٠٧٢م)، إلى الإسكندرية واستقراهم بها، ومكانتهم العلمية وثناء العلماء عليهم، وهم: أبي عبد الله محمد بن منصور الحضرمي، وأبي القاسم عبد الرحمن بن عتيق بن خلف القرشي المعروف بابن النعام، وأبي البهاء عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الكريم، وتستهدف الدراسة إبراز أثرهم في الحياة العلمية بالإسكندرية، فقد قرأ عليهم كثير من قراء الإسكندرية، والنازلون بها والمرتحلون المغاربة والأندلسيون، وأخذوا منهم مصنفاتهم في القراءات ورواياتهم الفقهية والحديثية، فأثر ذلك في تكوينهم العلمي، فصار بعضهم أساتذة في علم القراءات.
ولم يكن القصد من وراء نشر هذا الكتاب أن نقف على ما هو معروف ومتداول عن الحياة العلمية بالإسكندرية، فقد تعرض لها جمع من الباحثين في دراسات أخرى قيمة، وإنما هَدَفْنَا إلى إلقاء الضوء على بعض ملامح غير معروفة منها . وقد رأيت أن نشر هذه الدراسات في كتاب يجعل الفائدة منها أكثر شمولا، ويعين المثقفين المولعين بالتاريخ، وطلاب العلم والباحثين في رحلتهم إلى عالم المعرفة الواسع، ليقفوا على نواحي جديدة غير مطروقة عن الحياة العلمية بالإسكندرية في نصف قرن من عمر العصر الفاطمي الثاني.
وينهي الأستاذ الدكتور إبراهيم سلامه تقديمه للكتاب بالقول:(ختاما، أرجو أن أكون قد ساهمت بهذا الجهد في إلقاء الضوء على بعض جوانب الحياة العلمية بالإسكندرية، وآمل أن يسد الكتاب فراغا في المكتبة العربية، ويكون عند حسن ظن قارئيه، والمستفيدين منه. وبعد: فالله أسأل أن يجعله خالصا لوجهه، وأن يعيننا على خدمة التاريخ العلمي الإسلامي، وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدا).
الأستاذ الدكتور إبراهيم سلامة