في وقت تتصاعد فيه وقائع العنف داخل المجتمعات، تبقى الجرائم المرتكبة بحق الأطفال هي الأخطر والأكثر فداحة، لما تحمله من اعتداء مباشر على كائن ضعيف لا يملك القدرة على الدفاع عن نفسه، ولما تتركه من آثار مدمرة تمتد من الحاضر إلى مستقبل المجتمع بأكمله، وفي هذا الإطار يسلّط محمد زكي أبو ليلة، الخبير القانوني، الضوء على فلسفة التشريع المصري في مواجهة العنف ضد الأطفال، مؤكدًا أن المشرّع لم يتسامح مع هذه الجرائم، خاصة إذا صدرت من أقرب الناس إلى الطفل.
موضوعات مقترحة
قال محمد زكي أبو ليلة الخبير القانوني، إن هناك العديد من الأسباب التي أسهمت في انتشار العنف على مستوى العالم، إلا أن أخطر هذه الأنواع وأكثرها تأثيرًا على المجتمع هو العنف الموجّه ضد الأطفال، لأن طبيعة الطفل كائن ضعيف غير قادر على حماية نفسه والدفاع عنها، وهو ما يجعل هذه الجرائم أكثر بشاعة وخطورة على الحاضر والمستقبل معًا، ويضيف أن توجيه العنف إلى الطفل يظل أمرًا بالغ القسوة، غير أن الأكثر إيلامًا وتأثيرًا هو أن يصدر هذا العنف من أحد والدي الطفل، اللذين كان من المفترض أن يكونا مصدر الأمان والحماية، لا سببًا للخوف أو الأذى.
ويؤكد أبو ليلة أن ضعف الطفل بطبيعته يجعل أي اعتداء يتعرض له يفوق قدرته على التحمل، وقد يؤدي في بعض الحالات إلى وفاته، الأمر الذي يضاعف من جسامة الجريمة وخطورتها، ومن هنا جاء حرص المشرّع على وضع قانون الطفل إدراكًا منه لحاجة الطفل إلى حماية خاصة، فجاء هذا القانون ليكفل له الأمان والرعاية، وليضع حدودًا واضحة لأي سلوك عنيف قد يتعرض له، حتى وإن كان صادرًا من أقرب الناس إليه.
ويتابع الخبير القانوني أن المشرّع شدد العقوبات إذا كان الإيذاء الواقع على الطفل صادرًا من والديه أو من يتولى رعايته، باعتبار أن هذا الاعتداء يمثل خيانة للأمانة وانتهاكًا لواجب الحماية والرعاية الذي أوجبه القانون، وهو ما يستوجب ردعًا أشد حفاظًا على حياة الطفل وسلامته، وتأكيدًا على أن حماية الطفل الجسدية والنفسية تمثل أولوية لا يجوز المساس بها تحت أي مبرر.
ويشير أبو ليلة إلى أن الجريمة في هذه الحالة تكون مزدوجة، فهي اعتداء على جسد الطفل، واعتداء على عقد الرعاية الذي يفرضه القانون والدين والمنطق الفطري، مؤكدًا أن تشديد العقوبة هنا يحمل رسالة واضحة بأن الولاية على الطفل ليست صكًا للتملك أو الإساءة، بل مسئولية قانونية وأخلاقية يُحاسب عليها من يتولاها.
ويضيف الخبير القانوني أن مظلة الحماية لم تعد مقصورة على الأسرة فقط، بل امتدت لتشمل المجتمع بأكمله، وعلى رأسه الجيران، إذ لم يعد القانون ينظر إلى التدخل لحماية طفل الجيران باعتباره تطفلًا، بل واجبًا أخلاقيًا وقانونيًا، وأتاح آليات إبلاغ محمية، مع تشديد العقوبة على كل من يستغل قربه أو ثقة الطفل للإساءة إليه، باعتبار ذلك إخلالًا برباط الجوار الذي يمثل أحد ركائز الأمان المجتمعي.
ويستعرض محمد زكي أبو ليلة النصوص القانونية الحاكمة، موضحًا أن قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 وتعديلاته يمثل الدستور الحمائي للطفل؛ حيث ألزمت المادة (3 مكررًا) الدولة بحماية الطفل من جميع أشكال العنف أو الضرر أو الإساءة أو الإهمال، كما شددت المادة (116 مكررًا) الحد الأدنى للعقوبة إذا وقعت الجريمة من بالغ على طفل أو من أحد والديه أو القائمين على رعايته.
ويختتم الخبير القانوني حديثه بالتأكيد على أن المشرّع لم يكتفِ بالعقوبات السالبة للحرية، بل أتاح للنيابة العامة، وفقًا للمادة (99 مكررًا)، اتخاذ إجراءات عاجلة لإخراج الطفل من بيئة الخطر ونقله إلى دار رعاية أو عائلة مؤتمنة، مشيرًا إلى أن قانون العقوبات المصري شدد العقوبة لتصل إلى الإعدام في الجرائم الأشد جسامة، وعلى رأسها حالات اغتصاب الأطفال المقترنة بالقتل، ويؤكد أن تفعيل خط نجدة الطفل (16000) وتعزيز وعي المجتمع بدوره في الإبلاغ يمثلان حجر الأساس في تحويل النصوص القانونية إلى واقع فعلي يحمي الأطفال، لأن سلامة الطفل هي سلامة المجتمع ومستقبله.