تبدو بعض القوانين سخيفة للغاية، بل أقرب إلى التحديات منها إلى القوانين الحقيقية: فرض ضرائب على البول، وتجريم إطلاق اللحى، وتغريم الرجال لرفضهم الزواج، وبيع الآباء لأبنائهم بشكل قانوني، وحظر الموت في جزر بأكملها. من منظور معاصر، تبدو هذه القوانين عبثية، أو قاسية، أو مبالغ فيها بشكل مثير للسخرية.
موضوعات مقترحة
لكن هذه القوانين لم تظهر من فراغ، بل تشكلت بفعل الخوف، وضرورة البقاء ، وأنظمة المعتقدات، ومشاكل حقيقية كان الناس يحاولون حلها. قد تبدو هذه القوانين سخيفة اليوم، لكنها كانت منطقية تمامًا في وقتها.
دعونا نلقي نظرة على ستة من هذه القوانين عبر التاريخ والتي تبدو سخيفة حتى تفهم المنطق الكامن وراءها. حسب ما نشر موقع mentalfloss .
القانون الروماني ..فرض ضريبة على البول
قد يبدو فرض الضرائب على البول نكتة سخيفة في أيامنا هذه، لكنه كان تجارة رائجة في روما القديمة . لم يكن البول يُعتبر نفايات في المجتمع الروماني، بل كان سلعة قيّمة لاحتوائه على معادن ومواد كيميائية مثل الفوسفور والأمونيا والبوتاسيوم.
اشترى الرومان هذا المنتج من أصحاب المراحيض العامة وباعوه للبائعين، الذين استخدموه بدورهم كغسول للفم لغسل أسنانهم، وكمكون أساسي لتنظيف الأقمشة، وتنعيم جلود الحيوانات، ولأغراض أخرى.
يُقال إن الإمبراطور نيرون كان أول من طرح فكرة فرض ضريبة على البول، لكنها قوبلت بالرفض بسبب الرأي العام والاستياء الشعبي. إلا أنه بعد وفاته عام 69 ميلادي، أعاد خليفته، الإمبراطور فسباسيان، العمل بالقانون عندما كانت روما تتعافى من آثار الحرب الأهلية وتحتاج بشدة إلى الإيرادات. فُرضت الضريبة على البول المُجمع من المراحيض العامة، حيث كان يُجمع من الرومان من الطبقتين الدنيا والعليا. وكان المشترون يدفعون ضريبة على البول المُجمع من خزانات الصرف الصحي والمرافق الخاصة.
عندما انتقد ابنه تيتوس الضريبة، يُروى أن فسباسيان رفع عملة معدنية وسأل إن كانت رائحتها كريهة. ولما أجاب ابنه بالنفي، ردّ فسباسيان: "لكنها تأتي من البول". ومن هذه القصة نشأت العبارة الشهيرة "pecunia non olet"، والتي تعني "المال لا رائحة له".
على الرغم من غرابة الأمر، إلا أن القانون كان عمليًا، وقد ساعد في توليد الكثير من الإيرادات، مما ساهم في تمويل الخزانة الإمبراطورية والأشغال العامة، بما في ذلك الكولوسيوم .
فرضت مدينة إسبرطة غرامات على الرجال الذين يفضلون العزوبية
لم تكن إسبرطة تُقدّر الحرية الشخصية كما نفعل اليوم. فقد بُنيت الدولة على أساس القوة العسكرية، وكان الرجال مسؤولين عن الزواج وإنجاب الأطفال الذين سيصبحون جنوداً في نهاية المطاف.
لم يكن الزواج خياراً، بل مسؤولية، وكان الرجال الذين يرفضون الزواج بعد سن الخامسة والثلاثين يُغرَّمون ويُشهَّر بهم علناً، وأحياناً يتعرضون للإذلال الطقسي. وكان يُنظر إلى الرجل الذي يرفض الزواج على أنه أناني ويشكل خطراً على بقاء الدولة.
تصف المصادر القديمة تعرض العزاب للإهانة العلنية واستبعادهم من الاحتفالات الاجتماعية والدينية الهامة. فقد حُرموا من الاحترام الذي يُمنح عادةً للرجال الأكبر سنًا، وتعرضوا أحيانًا للإذلال الطقوسي. وفي بعض الروايات، أُجبر الرجال غير المتزوجين على تحمل السخرية العلنية، بما في ذلك عرضهم في المواكب أو إجبارهم على أداء أفعال مهينة خلال الاحتفالات.
حظرت أثينا قطع أشجار الزيتون
في أثينا القديمة، كانت أشجار الزيتون أكثر من مجرد نباتات. تأسست المدينة بعد أن أهدت أثينا شجرة الزيتون لشعبها، عقب حرب على السلطة مع بوسيدون. أصبحت الشجرة مقدسة، لكن أهميتها تجاوزت الجانب الديني بكثير. كان زيت الزيتون أساسيًا للحياة اليومية وللاقتصاد، حيث استُخدم في إضاءة المصابيح، وحفظ الطعام، وعلاج الجروح، وغير ذلك.
في القرن السادس قبل الميلاد، فرض المشرّع سولون ضوابط صارمة على كيفية التعامل مع بساتين الزيتون. وكان قطع الأشجار دون إذن مخالفاً للقانون، وفي بعض الحالات، كان يُعاقب عليه بشدة، لاعتقادهم بأنه يُعدّ إهانة للمدينة.
في الوقت الحاضر، قد يبدو حظر قطع الأشجار أمراً مبالغاً فيه، ولكن في ذلك الوقت، كان الهدف منه حماية البيئة والاقتصاد.
اللحى غير القانونية في روسيا
في أواخر القرن السابع عشر في روسيا، أصبح أمرٌ عاديٌّ وحميمٌ كشعر لحية الرجل خاضعاً لسيطرة الدولة. في عهد القيصر بطرس الأول، الذي عُرف لاحقاً باسم بطرس الأكبر، لم يكن شعر الوجه مجرد خيار شخصي أو عادة دينية، بل كان مشكلة تُحلّ بالعقاب .
كان هذا جزءًا من حركة لتحويل روسيا إلى دولة غربية بعد عودة بطرس الأكبر من أوروبا. فقد حظر إطلاق اللحية على الرجال، بدءًا بحلاقة لحاهم من قبل نبلاء البلاط الذين حضروا للترحيب به في حفل رأس السنة. كما حظر السترة الروسية التقليدية، وقام بقصها بالمقص لتتماشى مع رؤيته للرجل الغربي. وكان ذلك جزءًا من جهد أوسع لإعادة تشكيل روسيا على صورة أوروبا الغربية.
لكن السلطات الدينية، كالكنيسة الأرثوذكسية الروسية، زعمت أن اللحى جزء من الصورة الطبيعية للإنسان كما خلقه الله. فقاموا بتجنيد مجموعة من المتمردين للاحتجاج على القانون، وسقطت أرواح في الاشتباكات.
بعد احتجاجات عديدة، قرر بطرس الأكبر فرض ضريبة على اللحى بدلاً من حلقها. وكان على الرجال الراغبين في الاحتفاظ بلحىهم دفع رسوم سنوية وحمل قطعة معدنية صغيرة كإثبات للدفع.
وقد صُدرت هذه القطع لأول مرة عام ١٧٠٥، وكانت بمثابة إيصالات ورموز للخضوع لسلطة الدولة، وكان عدم تقديمها يُعرّض المرء لعقاب فوري، بما في ذلك حلق لحيته قسراً.
تفاوتت الضريبة تبعاً للدخل، وكان الفقراء معفيين منها في الغالب. وظلت الضريبة سارية المفعول لفترة طويلة بعد وفاة بطرس الأكبر، وبحلول ذلك الوقت كانت معايير المظهر الغربي قد ترسخت بالفعل بين النخبة الروسية.
بإمكان الآباء الرومان بيع أبنائهم ثلاث مرات
منح القانون العائلي الروماني الآباء سلطة وسيادة استثنائية على أبنائهم، وخاصة الذكور. وشملت هذه السلطة، المعروفة باسم "باتريا بوتيستاس"، السيطرة على الممتلكات والزواج، وفي حالات استثنائية، الحق في بيع الطفل للعبودية.
بالمعايير الحديثة، تبدو الفكرة مروعة للغاية، لكن في روما القديمة، كان هذا أمراً طبيعياً. كان للآباء الحق في بيع بناتهم وأحفادهم مرة واحدة، أما الأبناء فكان لهم الحق في بيعهم ثلاث مرات. بعد البيع الثالث، كان الابن يتحرر قانونياً من سيطرة والده.
أشار المؤرخ اليوناني ديونيسيوس الهاليكارناسي إلى أن القانون الروماني كان يمنح الآباء سلطة على أبنائهم "طوال حياتهم"، بما في ذلك حق سجنهم أو بيعهم، بغض النظر عن مكانة الابن العامة أو عمره. فقد يكون الابن متزوجًا، وفي منتصف العمر، وذا نفوذ سياسي، ومع ذلك يظل خاضعًا قانونيًا لسلطة والده ما دام الأب على قيد الحياة.
لإلغاء هذه السلطة وسيطرتها على الابن، اعتمد القانون الروماني على إطار قانوني يُسمى "التحرير". كان الأب يبيع ابنه إلى طرف ثالث موثوق به، عادةً ما يكون صديقًا أو قريبًا أو زميلًا. وكان هذا الشخص يُحرر الابن فورًا من خلال إجراء قانوني يُسمى "التحرير".
بعد البيعتين الأولى والثانية، عاد الابن تلقائيًا تحت سلطة والده. لكن بعد البيعة الثالثة، انقطعت سلطة الأب على ابنه. وعندما حرر المشتري الابن نهائيًا، لم يعد الابن إلى والده، بل أصبح مستقلًا قانونيًا وغير خاضع لسلطة والده.
بمرور الوقت، تضاءلت هذه السلطة المطلقة. أصبح الأبناء أحرارًا من سلطة آبائهم بمجرد زواجهم. كما سُمح لهم بامتلاك عقارات في الجيش، وبالتالي لم يعد بإمكان الأب السيطرة عليها.
عند النظر إليها من منظور معاصر، تبدو هذه القوانين عبثية، أو قاسية، أو حتى مثيرة للسخرية. فهي تتعارض بشدة مع المفاهيم الحديثة للحرية الشخصية وحقوق الإنسان.
لكن لم يُسنّ أيٌّ من هذه القوانين بدافع الجنون أو العشوائية، بل انبثقت من مخاوف واحتياجات حقيقية كانت قائمة آنذاك.
إن السبب الحقيقي وراء سخافة هذه القوانين اليوم ليس غباء الناس في الماضي، بل اختلاف أولوياتهم. فما يبدو سخيفاً الآن كان ضرورياً في الماضي. وقد تنظر الأجيال القادمة إلى قوانيننا اليوم بنفس الاستغراب.