ابذل لصديقك دمك ومالك

15-1-2026 | 16:11

الصداقة أمر فطري غريزي، والحرص عليها من ضروريات الحياة، وعلى مدار التاريخ الإنساني مثلت الصداقة دورًا محوريًّا في استقرار المجتمعات، والإنسان لا يستطيع العيش بمفرده دون صديق، وعبدالله ابن المقفع رفع شأن علاقة الصداقة فوق علاقة الرجل بامرأته، وكأن لسان حال ابن المقفع يقول: الصديق المخلص بمثابة الروح من الجسد.

ويستحوذ لقب الصحابي على أشرف لقب في الإسلام، والصحابي هو من التقى بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو من آمن برسالته وتشرف بصحبته، وخلد القرآن الكريم أعظم صديقين، وهما رسولنا الكريم ﷺ وصاحبه الصديق رضي الله عنه، والتقيا فيما بينهما على مصالح الدنيا والآخرة، ولذا عض بالنواجذ على صديق لا ينطق إلا حقًّا في جميع أحواله حتى لو في غضبه.

ولا يعيب الصحبة وجود مصالح مشتركة، والمصالح واحدة من واجبات الصحبة، غير أنها ليست عاملًا رئيسيًّا لتوطيد الصحبة، أما المؤشر على صحة الصداقة هو التضحية، وبناءً عليه قالوا: الصديق وقت الشدة.. ولا خير في صديق يختفي حين تحتاجه وقت الضيق، ونصح الأديب ابن المقفع الصديق أن يبذل لصديقه دمه وماله، وأردف قائلًا التزم بصحبة الصديق العاقل الكريم.. وإياك من مفارقتهما.

ومزايا الصداقة لا حصر لها، فهي وسيلة للخلاص من الأنا، وأسلوبٌ للتحفيز على فضيلة الوفاء والإخلاص، وعبر أرسطو عن الصداقة أنها عطف متبادل بين شخصين يريد كل منهما الخير للآخر، والأدب العامي حافل بعبارات براقة عن الصداقة أشهرها: الصديق قبل الطريق.. والصاحب ساحب.. وقال: رُبَ أخٍ لك لم تلده أمك..

وإذا كنت تملك أصدقاء إذن أنت غني، ومن أجمل ما قرأت: ثمار الأرض تجنى كل موسم.. لكن ثمار الصداقة تجنى كل لحظة، وحتى تعرف من أنت انظر إلى خصال صديقك، فالصديق مرآة من يصادقه، والصديق الصالح يأخذ بيد صديقه إلى النجاة، وظاهرة تعاطي المخدرات خلفها أصدقاء السوء.

والصديق المخلص عند ابن حزم الأندلسي قليل في هذا الزمان، فما بال حال الصديق في عصرنا الحالي، ويوصي ابن حزم عندما يظفر الشخص بالصديق المخلص أن يشد بيديه عليه شد الضنين، ويمسك به مسك البخيل.. لأن معه يكمل الأنس وتتجلى به الأحزان، وتطيب معه الأحوال.

وأكدت دراسة حديثة أقوال الفيلسوف الإسلامي ابن حزم، وكان عنوان الدراسة: "أهمية الصداقة حول العالم"، وشملت 99 دولة منها عدة دول عربية، وأشارت إلى مجموعة فوائد للصداقة أولها تعزيز الصحة العقلية والبدنية، وتؤثر إيجابيًّا في رفع كفاءة أداء جهاز المناعة، وفي المقابل الوحدة تحمل مخاطر صحية.

وتجاوزت الأبحاث العلمية علاقة الصداقة بين الأشخاص إلى الصداقة بين الحيوانات، واكتشفت أن قوة علاقة الصداقة بين بعض الحيوانات حافظت على بقاء صغارهن على قيد الحياة، وكانت درعًا لحماية حيوانات من هجوم الأسود.

وأنذرنا القرآن الكريم من الصديق السوء في وقت لا ينفع فيه الندم وقال تعالى: " يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا"، وفي موقف آخر يتباكى الكافر يوم القيامة أن لو صادق مؤمنًا في الدنيا، كما في قوله تعالى: "وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ"، ويعني أن الصديق الصالح يرتقي إلى منزلة عالية وهي الشفاعة.

[email protected]

كلمات البحث
الأكثر قراءة